سورة الأعراف · الآية ١٨٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: والذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى فردوها ولم يقبلوها. { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } بأن يدر لهم الأرزاق. { وأملي لهم } أي: أمهلهم حتى يظنوا أنهم لا يؤخذون ولا يعاقبون، فيزدادون كفرا وطغيانا، وشرا إلى شرهم، وبذلك تزيد عقوبتهم، ويتضاعف عذابهم، فيضرون أنفسهم من حيث لا يشعرون، ولهذا قال: { إن كيدي متين } أي: قوي بليغ. { أولم يتفكروا ما بصاحبهم } محمد صلى الله عليه وسلم { من جنة } أي: أو لم يعملوا أفكارهم، وينظروا هل في صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيء، هل هو مجنون؟ فلينظروا في أخلاقه وهديه، ودله وصفاته، وينظروا في ما دعا إليه، فلا يجدون فيه من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمها، ولا من العقل والرأي إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكل خير، ولا ينهى إلا عن كل شر. أفبهذا يا أولي الألباب من جنة؟ أم هو الإمام العظيم والناصح المبين، والماجد الكريم، والرءوف الرحيم؟ ولهذا قال: { إن هو إلا نذير مبين } أي: يدعو الخلق إلى ما ينجيهم من العذاب، ويحصل لهم الثواب. { أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض } فإنهم إذا نظروا إليها وجدوها أدلة دالة على توحيد ربها، وعلى ما له من صفات الكمال. { و } كذلك لينظروا إلى جميع { ما خلق الله من شيء } فإن جميع أجزاء العالم، يدل أعظم دلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسعة رحمته، وإحسانه، ونفوذ مشيئته، وغير ذلك من صفاته العظيمة، الدالة على تفرده بالخلق والتدبير، الموجبة لأن يكون هو المعبود المحمود، المسبح الموحد المحبوب. وقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقترب أجلهم، ويفجأهم الموت وهم في غفلة معرضون، فلا يتمكنون حينئذ، من استدراك الفارط. { فبأي حديث بعده يؤمنون } أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل، فبأي حديث يؤمنون به؟!! …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… نذير لكم بين يدي عذاب شديد} [سبأ:46] يقول إنما أطلب منكم أن تقوموا لله قياما خالصا لله، ليس فيه تعصب ولا عناد، {مثنى وفرادى} أي: مجتمعين ومتفرقين، {ثم تتفكروا} في هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله: أبه جنون أم لا؟ فإنكم إذا فعلتم ذلك، بان لكم وظهر أنه رسول [الله] (2) حقا وصدقا. وقال قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان على الصفا، فدعا قريشا فجعل يفخذهم فخذا فخذا: "يا بني فلان، يا بني فلان"، فحذرهم بأس الله ووقائع الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون. بات يصوت إلى الصباح -أو: حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين} (3) يقول تعالى: {أولم ينظروا} -هؤلاء المكذبون بآياتنا -في ملك الله وسلطانه في السماوات والأرض، وفيما خلق [الله] (4) من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه، ومن فعل من لا ينبغي أن تكون (5) العبادة. والدين الخالص إلا له. فيؤمنوا به، ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه. وقوله: {فبأي حديث بعده يؤمنون} ؟ يقول: فبأي تخويف وتحذير وترهيب -بعد تحذير محمد وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه -يصدقون، إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند الله، عز وجل؟! . وقد روى الإمام أحمد عن حسن بن موسى وعفان (6) بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ليلة أسري بي، لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي، فإذا أنا برعد وبرق وصواعق"، قال: "وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت: من
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٥١٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والحق المبين. ولذا نزلت هذه الآية فيما قبل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٦٠٢) ↗التحرير والتنوير
لأن مضمون الجملة الثانية على هذا شامل لمضمون الجملة السابقة مع زيادة الوصف، المتين، ما لو حمل الكيد على معنى الأخذ على خفاء بقطع النظر عن إظهار خلاف ما يخفيه، فإن جملة: إن كيدي متين لا تفيد إلا تعليل الاستدراج والإملاء بأنهما من فعل من يأخذ على خفاء دون تلوين أخذه بما يغر المأخوذ، فكأنه قال: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون كائدين لهم، إن كيدي متين. وإطلاقه هنا جاء على طريقة التمثيلية بتشبيه الحال التي يستدرج الله بها المكذبين مع تأخير العذاب عنهم إلى أمد هم بالغوه، بحال من يهيىء أخذا لعدوه مع إظهار المصانعة والمحاسنة ليزيد عدوه غرورا، وليكون وقوع ضر الأخذ به أشد وأبعد عن الاستعداد لتلقيه. و (المتين) القوي، وحقيقته القوي المتن أي الظهر، لأن قوة متنه تمكنه من الأعمال الشديدة، ومتن كل شيء عموده وما يتماسك به. [184] 184] أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) لما كان تكذيبهم بالآيات منبعثا عن تكذيبهم من جاء بها، وناشئا عن ظن أن آيات الله لا يجيء بها البشر، وأن من يدعي أنه مرسل من الله مجنون، عقب الإخبار عن المكذبين ووعيدهم بدعوتهم للنظر في حال الرسول، وأنه ليس بمجنون كما يزعمون. واستعمال العرب همزة الاستفهام مع حروف العطف المشركة في الحكم استعمال عجيب تقدم بيانه عند قوله تعالى: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم في سورة البقرة [87] . والجملة مستأنفة، وهي ابتداء كلام في محاجتهم وتنبيههم بعد الإخبار عنهم بأنهم مستدرجون ومملى لهم. والاستفهام للتعجيب من حالهم والإنكار عليهم، و (ما) في قوله: ما بصاحبهم من جنة نافية كما يؤذن به دخول (من) على منفي ما، لتأكيد الاستغراق. وفعل يتفكروا منزل منزلة اللازم، فلا يقدر له متعلق للاستغناء عن ذلك بما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١٩٣) ↗