البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الأعراف · الآية ١٧٨

﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا } أي: علمناه كتاب الله، فصار العالم الكبير والحبر النحرير. { فانسلخ منها فأتبعه الشيطان } أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات الله، فإن العلم بذلك، يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس. فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزا. { فكان من الغاوين } بعد أن كان من الراشدين المرشدين. وهذا لأن الله تعالى خذله ووكله إلى نفسه، فلهذا قال تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها } بأن نوفقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصن من أعدائه. { ولكنه } فعل ما يقتضي الخذلان، فأخلد إلى الأرض، أي: إلى الشهوات السفلية، والمقاصد الدنيوية. { واتبع هواه } وترك طاعة مولاه، { فمثله } في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها، { كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } أي: لا يزال لاهثا في كل حال، وهذا لا يزال حريصا حرصا قاطعا قلبه، لا يسد فاقته شيء من الدنيا. { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } بعد أن ساقها الله إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذبوا بها وردوها، لهوانهم على الله، واتباعهم لأهوائهم، بغير هدى من الله. { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } في ضرب الأمثال، وفي العبر والآيات، فإذا تفكروا علموا، وإذا علموا عملوا. { سآء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون } أي: ساء وقبح، مثل من كذب بآيات الله، وظلم نفسه بأنواع المعاصي، فإن مثلهم مثل السوء، وهذا الذي آتاه الله آياته، يحتمل أن المراد به شخص معين، قد كان منه ما ذكره الله، فقص الله قصته تنبيها للعباد. ويحتمل أن المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنه شامل لكل …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وغيرهم (1) يقول تعالى: {ولقد ذرأنا} أي: خلقنا وجعلنا {لجهنم كثيرا من الجن والإنس} أي: هيأناهم لها، وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلائق، علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" (1) وفي صحيح مسلم أيضا، من حديث عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، أنها قالت: دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. فقال [رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها (3) أهلا وهم في أصلاب آبائهم" (4) وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود [رضي الله عنه] (5) ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم (6) سعيد". وتقدم أن الله [تعالى] (7) لما استخرج ذرية آدم من صلبه وجعلهم فريقين: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، قال: "هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي". والأحاديث في هذا كثيرة، ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها. وقوله تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها} يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله [سببا للهداية] (8) كما قال تعالى: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله [وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون] (9) } [الأحقاف:26] وقال تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ومن فعل الله ذلك به فهو الخاسر: يعني الهالك. وقد بينا معنى الخسارة والهداية والضلالة في غير موضع من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٥٩٠) ↗

التحرير والتنوير

وظلموا أنفسهم. والظلم هنا على حقيقته فإنهم ظلموا أنفسهم بما أحلوه بها من الكفر الذي جعلهم مذمومين في الدنيا ومعذبين في الآخرة. وتقديم المفعول للاختصاص، أي ما ظلموا إلا أنفسهم، وشأن العاقل أن لا يؤذي نفسه، وفيه إزالة تبجحهم بأنهم لم يتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم ظنا منهم أن ذلك يغيظه ويغيظ المسلمين، وإنما يضرون أنفسهم. وجملة: وأنفسهم كانوا يظلمون يجوز أن تكون معطوفة على الصلة باعتبار أنهم معروفون بمضمون هذه الجملة عند النبيء والمسلمين، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: ساء مثلا القوم فتكون تذييلا للجملة التي قبلها إخبارا عنهم بأنهم في تكذيبهم، وانتفاء من القصص ما ظلموا إلا أنفسهم. وقوله: كانوا يظلمون أقوى في إفادة وصفهم بالظلم من أن يقال: وظلموا أنفسهم، كما تقدم في قوله تعالى: وليكون من الموقنين في سورة الأنعام [75] . [178] 178] من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) هذه الجملة تذييل للقصة والمثل وما أعقبا به من وصف حال المشركين، فإن هذه الجملة تحصل ذلك كله وتجري مجرى المثل، وذلك أعلى أنواع التذييل، وفيها تنويه بشأن المهتدين وتلقين للمسلمين للتوجه إلى الله تعالى بطلب الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال، أي فالذين لم يهتدوا إلى الحق بعد أن جاءهم دلت حالهم على أن الله غضب عليهم فحرمهم التوفيق. والهداية حقيقتها إبانة الطريق، وتطلق على مطلق الإرشاد لما فيه النفع سواء اهتدى المهدي إلى ما هدي إليه أم لم يهتد، قال تعالى: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا [الإنسان: 3] وقال: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى [فصلت: 17] . ثم قد علم أن الفعل الذي يسند إلى الله تعالى إنما يراد به أتقن أنواع تلك الماهية وأدومها، ما لم تقم القرينة على خلاف ذلك، فقوله: من يهد الله يعني به من يقدر الله اهتداءه، وليس المعنى من يرشده الله بالأدلة أو بواسطة الرسل،

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١٨٠) ↗