سورة الأعراف · الآية ١٧٧
﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا } أي: علمناه كتاب الله، فصار العالم الكبير والحبر النحرير. { فانسلخ منها فأتبعه الشيطان } أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات الله، فإن العلم بذلك، يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس. فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزا. { فكان من الغاوين } بعد أن كان من الراشدين المرشدين. وهذا لأن الله تعالى خذله ووكله إلى نفسه، فلهذا قال تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها } بأن نوفقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصن من أعدائه. { ولكنه } فعل ما يقتضي الخذلان، فأخلد إلى الأرض، أي: إلى الشهوات السفلية، والمقاصد الدنيوية. { واتبع هواه } وترك طاعة مولاه، { فمثله } في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها، { كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } أي: لا يزال لاهثا في كل حال، وهذا لا يزال حريصا حرصا قاطعا قلبه، لا يسد فاقته شيء من الدنيا. { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } بعد أن ساقها الله إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذبوا بها وردوها، لهوانهم على الله، واتباعهم لأهوائهم، بغير هدى من الله. { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } في ضرب الأمثال، وفي العبر والآيات، فإذا تفكروا علموا، وإذا علموا عملوا. { سآء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون } أي: ساء وقبح، مثل من كذب بآيات الله، وظلم نفسه بأنواع المعاصي، فإن مثلهم مثل السوء، وهذا الذي آتاه الله آياته، يحتمل أن المراد به شخص معين، قد كان منه ما ذكره الله، فقص الله قصته تنبيها للعباد. ويحتمل أن المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنه شامل لكل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، في قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها [فأتبعه] } (1) الآية، قال: هو رجل من بني إسرائيل، يقال له: بلعم بن أبر. وكذا رواه شعبة وغير واحد، عن منصور، به. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس [رضي الله عنهما] (2) هو صيفي بن الراهب. قال قتادة: وقال كعب: كان رجلا من أهل البلقاء، وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيما ببيت (3) المقدس مع الجبارين. وقال العوفي، عن ابن عباس [رضي الله عنهما] (4) هو رجل من أهل اليمن، يقال له: بلعم، آتاه الله آياته فتركها. وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى إلى ملك مدين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى، عليه السلام. وقال سفيان بن عيينة، عن حصين، عن عمران بن الحارث، عن ابن عباس [رضي الله عنهما] (5) هو بلعم بن باعر. وكذا قال مجاهد وعكرمة. وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس [رضي الله عنهما] (6) قال: هو بلعام -وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت. وقال شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو [رضي الله عنهما] (7) في قوله: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه [آياتنا] } (8) قال: هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت. وقد روي من غير وجه، عنه وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنه أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته، وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة، قبحه الله [تعالى] (9) (10) وقد جاء في بعض الأحاديث: "أنه ممن آمن لسانه، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٥٨٩) ↗التحرير والتنوير
اللهاث بضم اللام، لأنه من الأدواء، وليس بصوت. ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. جملة مبينة لجملة: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا الآيتين، والمثال الحال أي ذلك التمثيل مثل للمشركين المكذبين بالقرآن، تشبيه بليغ، لأن حالة الكلب المشتبه شبيهة بحال المكذبين وليست عينها. والإشارة بذلك إلى الذي آتيناه آياتنا، وهو صاحب القصة، هو مثل المشركين، لأنهم شابهوه في أنهم أتوا القرآن فكذبوا به، فكانت حالهم كحال ذلك المكذب، والأظهر أن تكون الإشارة إلى المثل في قوله: كمثل الكلب أي حال الكلب المذكورة كحال المشركين المكذبين في أنهم كانوا يودون معرفة دين إبراهيم، ويتمنون مساواة أهل الكتاب في العلم والفضل، فكانوا بذلك في عناء وحيرة في الجاهلية فلما جاءهم رسول منهم بكتاب مبين انتقلوا إلى عناء معاندته كقوله تعالى: أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم [الأنعام: 157] وهذا تأويل ما روي عن عبادة بن الصامت أن آية واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا إلى آخرها نزلت في قريش. وفرع على ذلك الأمر بقوله: فاقصص القصص لعلهم يتفكرون أي اقصص هذه القصة وغيرها، وهذا تذييل للقصة الممثل بها يشملها وغيرها من القصص التي في القرآن، فإن في القصص تفكرا وموعظة، فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم، لأن للأمثال واستحضار النظائر شأنا عظيما في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة، لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس. [177] 177] ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) جملة مستأنفة لأنها جعلت إنشاء ذم لهم، بأن كانوا في حالة شنيعة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/١٧٩) ↗