سورة الأعراف · الآية ١٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآيتنآ إلى فرعون وملإيه } إلى آخر قصته. أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملئه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير { فظلموا بها } بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها { فانظر كيف كان عقبة المفسدين } كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله: { وقال موسى } حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان { يفرعون إني رسول من رب العالمين } أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله. فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق، فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر. فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم. فقال له فرعون: { إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين * فألقى } موسى { عصاه } في الأرض { فإذا هي ثعبان مبين } أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها. { ونزع يده } من جيبه { فإذا هي بيضآء للناظرين } من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وأما الجراد فمعروف مشهور، وهو مأكول؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي يعفور (1) قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد، فقال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد (2) وروى الشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطحال" (3) ورواه أبو القاسم البغوي، عن داود بن رشيد، عن سويد بن عبد العزيز، عن أبي تمام الأيلي، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعا مثله (4) وروى أبو داود، عن محمد بن الفرج، عن محمد بن الزبرقان الأهوازي، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال: "أكثر جنود الله، لا آكله، ولا أحرمه" (5) وإنما تركه، عليه السلام (6) لأنه كان يعافه، كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب، وأذن فيه. وقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد، من حديث أبي سعيد الحسن بن علي العدوي، حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد، حدثنا يحيى بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل الجراد، ولا الكلوتين، ولا الضب، من غير أن يحرمها. أما الجراد: فرجز وعذاب. وأما الكلوتان: فلقربهما من البول. وأما الضب فقال: "أتخوف أن يكون مسخا"، ثم قال (7) غريب، لم أكتبه إلا من هذا الوجه (8) وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يشتهيه ويحبه، فروى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن عمر سئل عن الجراد فقال: ليت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين نأكله (9) وروى ابن ماجه: حدثنا أحمد بن منيع، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال، سمع أنس بن مالك يقول: كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتهادين الجراد على الأطباق (10) وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
نحن لك في ذلك بمصدقين على أنك محق فيما تدعونا إليه. وقد دللنا فيما مضى على معنى السحر بما أغنى عن إعادته. وكان ابن زيد يقول في معنى: {مهما تأتنا به من آية} [الأعراف: 132] ما حدثني يونس، قال: قال ابن زيد في قوله: " {مهما تأتنا به من آية} [الأعراف: 132] قال: إن ما تأتنا به من آية، وهذه فيها زيادة «ما»
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٣٧٨) ↗التحرير والتنوير
133] وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) جملة: وقالوا معطوفة على جملة ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين [الأعراف: 130] الآية، فهم قابلوا المصائب التي أصابهم الله بها ليذكروا، بازدياد الغرور فأيسوا من التذكر بها، وعاندوا موسى حين تحداهم بها فقالوا: مهما تأتنا به من أعمال سحرك العجيبة فما نحن لك بمؤمنين، أي: فلا تتعب نفسك في السحر. ومهما اسم مضمن معنى الشرط، لأن أصله (ما) الموصولة أو النكرة الدالة على العموم، فركبت معها (ما) لتصييرها شرطية كما ركبت (ما) مع (أي) و (متى) و (أين) فصارت أسماء شرط، وجعلت الألف الأولى هاء استثقالا لتكرير المتجانسين، ولقرب الهاء من الألف فصارت مهما، ومعناها: شيء ما، وهي مبهمة فيؤتى بعدها بمن التبيينية، أي: إن تأتنا بشيء من الآيات فما نحن لك بمؤمنين. ومهما في محل رفع بالابتداء، والتقدير: أيما شيء تأتينا به، وخبره الشرط وجوابه، ويجوز كونها في محل نصب لفعل محذوف يدل عليه تأتنا به المذكور. والتقدير: أي شيء تحضرنا تأتينا به. وذكر ضمير به رعيا للفظ مهما الذي هو في معنى أي شيء، وأنث ضمير بها رعيا لوقوعه بعد بيان مهما باسم مؤنث هو آية. ومن آية بيان لإبهام مهما. والآية: العلامة الدالة، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار في سورة البقرة [39] ، وفي قوله تعالى: وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه في سورة الأنعام [37] . وسموا ما جاء به موسى آية باعتبار الغرض الذي تحداهم به موسى حين الإتيان بها، لأن موسى يأتيهم بها استدلالا على صدق رسالته، وهم لا يعدونها آية ولكنهم جاروا موسى في التسمية بقرينة قولهم لتسحرنا بها، وفي ذلك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٦٨) ↗