سورة الأعراف · الآية ١٣١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ثم بعثنا من بعدهم موسى بآيتنآ إلى فرعون وملإيه } إلى آخر قصته. أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملئه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهد له نظير { فظلموا بها } بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها { فانظر كيف كان عقبة المفسدين } كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله: { وقال موسى } حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان { يفرعون إني رسول من رب العالمين } أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله. فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب عليه، ولا أقول عليه إلا الحق، فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر. فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم. فقال له فرعون: { إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين * فألقى } موسى { عصاه } في الأرض { فإذا هي ثعبان مبين } أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها. { ونزع يده } من جيبه { فإذا هي بيضآء للناظرين } من غير سوء، فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، وأنه رسول رب العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{لعلهم يذكرون * فإذا جاءتهم الحسنة} أي: من الخصب والرزق {قالوا لنا هذه} أي: هذا لنا بما نستحقه:، {وإن تصبهم سيئة} أي: جدب وقحط {يطيروا بموسى ومن معه} أي: هذا بسببهم وما جاؤوا به. {ألا إنما طائرهم عند الله} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ألا إنما طائرهم عند الله} يقول: مصائبهم عند الله، قال الله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} وقال ابن جريج، عن ابن عباس قال: {ألا إنما طائرهم عند الله} قال: إلا من قبل الله. هذا إخبار من الله، عز وجل، عن تمرد قوم فرعون وعتوهم، وعنادهم للحق وإصرارهم على الباطل في قولهم: {مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين} يقولون: أي آية جئتنا بها ودلالة وحجة أقمتها، رددناها فلا نقبلها منك، ولا نؤمن بك ولا بما جئت به، قال الله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان} اختلفوا في معناه، فعن ابن عباس في رواية: كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار. وبه قال الضحاك بن مزاحم. وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو كثرة الموت. وكذا قال عطاء. وقال مجاهد: {الطوفان} الماء، والطاعون على كل حال. وقال ابن جرير: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا المنهال بن (1) خليفة، عن الحجاج، عن الحكم بن ميناء، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الطوفان الموت". وكذا رواه ابن مردويه، من حديث يحيى بن يمان، به وهو حديث غريب. وقال ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم، ثم قرأ: {فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. [فأصبحت كالصريم] (2) } [القلم:19، 20]
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٤٦١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
هذه} [الأعراف: 131] نحن أولى بها. {وإن تصبهم سيئة} [النساء: 78] يعني: جدوب وقحوط وبلاء، {يطيروا بموسى ومن معه} [الأعراف: 131] يقول: يتشاءموا ويقولوا: ذهبت حظوطنا وأنصباؤنا من الرخاء والخصب والعافية، مذ جاءنا موسى عليه السلام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " {فإذا جاءتهم الحسنة} [الأعراف: 131] العافية والرخاء، {قالوا لنا هذه} [الأعراف: 131] نحن أحق بها. {وإن تصبهم سيئة} [النساء: 78] بلاء وعقوبة، {يطيروا} [الأعراف: 131] يتشاءموا {بموسى} [الأعراف: 131] " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} [الأعراف: 131] قالوا: ما أصابنا هذا إلا بك يا موسى وبمن معك، ما رأينا شرا ولا أصابنا حتى PageEndV10P377 رأيناك. وقوله: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه} [الأعراف: 131] قال: الحسنة: ما يحبون وإذا كان ما يكرهون، قالوا: ما أصابنا هذا إلا بشؤم هؤلاء الذين ظلموا قال قوم صالح: {اطيرنا بك وبمن معك} [النمل: 47] فقال الله إنما: {طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون} [النمل: 47] "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٣٧٦) ↗التحرير والتنوير
انظر كيف نبين لهم الآيات في سورة المائدة [75] وقد تقدم. [130، 131] 131] ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) هذا انتقال إلى ذكر المصائب التي أصاب الله بها فرعون وقومه، وجعلها آيات لموسى، ليلجىء فرعون إلى الإذن لبني إسرائيل بالخروج، وقد وقعت تلك الآيات بعد المعجزة الكبرى التي أظهرها الله لموسى في مجمع السحرة، ويظهر أن فرعون أغضى عن تحقيق وعيده إبقاء على بني إسرائيل، لأنهم كانوا يقومون بالأشغال العظيمة لفرعون. ويؤخذ من التوراة أن موسى بقي في قومه مدة يعيد محاولة فرعون أن يطلق بني إسرائيل، وفرعون يعد ويخلف، ولم تضبط التوراة مدة مقام موسى كذلك، وظاهرها أن المدة لم تطل، وليس قوله تعالى: بالسنين دليلا على أنها طالت أعواما لأن السنين هنا جمع سنة بمعنى الجدب لا بمعنى الزمن المقدر من الدهر. فالسنة في كلام العرب إذا عرفت باللام يراد بها سنة الجدب، والقحط، وهي حينئذ علم جنس بالغلبة، ومن ثم اشتقوا منها: أسنت القوم، إذا أصابهم الجدب والقحط، فالسنين في الآية مراد بها القحوط وجمعها باعتبار كثرة مواقعها أي: أصابهم القحط في جميع الأرضين والبلدان، فالمعنى: ولقد أخذناهم بالقحوط العامة في كل أرض. والأخذ: هنا مجاز في القهر والغلبة، كقوله: لا تأخذه سنة ولا نوم [البقرة: 255] . ويصح أن يكون هنا مجازا في الإصابة بالشدائد، لأن حقيقة الأخذ: تناول الشيء باليد، وتعددت إطلاقاته، فأطلق كناية عن الملك. وأطلق استعارة للقهر والغلبة، وللإهلاك. وقد تقدمت معانيه متفرقة في السور الماضية. وجملة لعلهم يذكرون في موضع التعليل لجملة ولقد أخذنا فلذلك فصلت.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٩/٦٣) ↗