سورة القلم · الآية ٥٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: دعني والمكذبين بالقرآن العظيم، فإن علي جزاءهم، ولا تستعجل لهم، ف { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } فنمدهم بالأموال والأولاد، ونمدهم في الأرزاق والأعمال، ليغتروا ويستمروا على ما يضرهم، فإن وهذا من كيد الله لهم، وكيد الله لأعدائه، متين قوي، يبلغ من ضررهم وعذابهم فوق كل مبلغ. { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } أي: ليس لنفورهم عنك، وعدم تصديقهم لما جئت به ، سبب يوجب لهم ذلك، فإنك تعلمهم، وتدعوهم إلى الله، لمحض مصلحتهم، من غير أن تطلبهم من أموالهم مغرما يثقل عليهم. { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } ما كان عندهم من الغيوب، وقد وجدوا فيها أنهم على حق، وأن لهم الثواب عند الله، فهذا أمر ما كان، وإنما كانت حالهم حال معاند ظالم. فلم يبق إلا الصبر لأذاهم، والتحمل لما يصدر منهم، والاستمرار على دعوتهم، ولهذا قال: { فاصبر لحكم ربك } أي: لما حكم به شرعا وقدرا، فالحكم القدري، يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط والجزع، والحكم الشرعي، يقابل بالقبول والتسليم، والانقياد التام لأمره. وقوله: { ولا تكن كصاحب الحوت } وهو يونس بن متى، عليه الصلاة والسلام أي: ولا تشابهه في الحال التي أوصلته، وأوجبت له الانحباس في بطن الحوت، وهو عدم صبره على قومه الصبر المطلوب منه، وذهابه مغاضبا لربه، حتى ركب في البحر، فاقترع أهل السفينة حين ثقلت بأهلها أيهم يلقون لكي تخف بهم، فوقعت القرعة عليه فالتقمه الحوت وهو مليم، [وقوله] { إذ نادى وهو مكظوم } أي: وهو في بطنها قد كظمت عليه، أو نادى وهو مغتم مهتم، بأن قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] فاستجاب الله له، وقذفته الحوت من بطنها بالعراء وهو سقيم، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، ولهذا قال هنا: { لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء } أي: لطرح في العراء، وهي الأرض الخالية { وهو مذموم } ولكن الله تغمده برحمته، فنبذ وهو ممدوح، وصارت حاله أحسن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: {فاصبر} يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم؛ فإن الله سيحكم لك عليهم، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، {ولا تكن كصاحب الحوت} يعني: ذا النون، وهو يونس بن متى، عليه السلام، حين ذهب مغاضبا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له، وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير، الذي لا يرد ما أنفذه من التقدير، فحينئذ نادى في الظلمات. {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87] . قال الله {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء: 88] ، وقال تعالى: {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} [الصافات: 143، 144] وقال هاهنا: {إذ نادى وهو مكظوم} قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: وهو مغموم. وقال عطاء الخراساني، وأبو مالك: مكروب. وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} خرجت الكلمة تحف حول العرش، فقالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة. فقال الله: أما تعرفون هذا؟ قالوا: لا. قال: هذا يونس. قالوا: يا رب، عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة؟ قال: نعم. قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء؛ ولهذا قال تعالى: {فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري (1) وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة (2) . وقوله: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: {ليزلقونك} لينفذونك بأبصارهم، أي: ليعينونك بأبصارهم، بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٢٠١) ↗التحرير والتنوير
فالتقمه الحوت وهو مليم وإما بمعنى العيب وهو كونه عاريا جائعا فيكون في معنى قوله: فنبذناه بالعراء وهو سقيم [الصافات: 145] فإن السقم عيب أيضا. وتنكير نعمة للتعظيم لأنها نعمة مضاعفة مكررة. وفرع على هذا النفي الإخبار بأن الله اجتباه وجعله من الصالحين. والمراد ب الصالحين المفضلون من الأنبياء، وقد قال إبراهيم عليه السلام رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين [الشعراء: 83] وذلك إيماء إلى أن الصلاح هو أصل الخير ورفع الدرجات، وقد تقدم في قوله: كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين في سورة التحريم [10] . قال ابن عباس: رد الله إلى يونس الوحي وشفعه في نفسه وفي قومه. [51- 52] وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) عطف على جملة فذرني ومن يكذب بهذا الحديث [القلم: 44] ، عرف الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ما تنطوي عليه نفوس المشركين نحو النبيء صلى الله عليه وسلم من الحقد والغيظ وإضمار الشر عند ما يسمعون القرآن. والزلق: بفتحتين زلل الرجل من ملاسة الأرض من طين عليها أو دهن، وتقدم في قوله تعالى: فتصبح صعيدا زلقا في سورة الكهف [40] . ولما كان الزلق يفضي إلى السقوط غالبا أطلق الزلق وما يشتق منه على السقوط والاندحاض على وجه الكناية، ومنه قوله هنا ليزلقونك، أي يسقطونك ويصرعونك. وعن مجاهد: أي ينفذونك بنظرهم. وقال القرطبي: يقال زلق السهم وزهق، إذا نفذ، ولم أراه لغيره، قال الراغب قال يونس: لم يسمع الزلق والإزلاق إلا في القرآن اه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/١٠٧) ↗