سورة القلم · الآية ٢٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون } إلى آخر القصة يقول تعال: إنا بلونا هؤلاء المكذبين بالخير وأمهلناهم، وأمددناهم بما شئنا من مال وولد، وطول عمر، ونحو ذلك، مما يوافق أهواءهم، لا لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجا لهم من حيث لا يشعرون، فاغترارهم بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة، الذين هم فيها شركاء، حين زهت ثمارها أينعت أشجارها، وآن وقت صرامها، وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، [وأنه] ليس ثم مانع يمنعهم منها، ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء، أنهم سيصرمونها أي: يجذونها مصبحين، ولم يدروا أن الله بالمرصاد، وأن العذاب سيخلفهم عليها، ويبادرهم إليها. { فطاف عليها طآئف من ربك } أي: عذاب نزل عليها ليلا { وهم نآئمون } فأبادها وأتلفها { فأصبحت كالصريم } أي: كالليل المظلم، ذهبت الأشجار والثمار، هذا وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم، ولهذا تنادوا فيما بينهم لما أصبحوا يقول بعضهم لبعض: { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا } قاصدين له { وهم يتخافتون } فيما بينهم، ولكن بمنع حق الله، ويقولون: { لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } أي: بكروا قبل انتشار الناس، وتواصوا مع ذلك، بمنع الفقراء والمساكين، ومن شدة حرصهم وبخلهم، أنهم يتخافتون بهذا الكلام مخافتة، خوفا أن يسمعهم أحد، فيخبر الفقراء. { وغدوا } في هذه الحالة الشنيعة، والقسوة، وعدم الرحمة { على حرد قادرين } أي: على إمساك ومنع لحق الله، جازمين بقدرتهم عليها، { فلما رأوها } على الوصف الذي ذكر الله كالصريم، { قالوا } من الحيرة والانزعاج. { إنا لضآلون } [أي: تائهون] عنها، لعلها غيرها، فلما تحققوها، ورجعت إليهم عقولهم قالوا: { بل نحن محرومون } منها، فعرفوا حينئذ أنه عقوبة، ف { قال أوسطهم } أي: أعدلهم وأحسنهم طريقة { ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي: تنزهون الله عما لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول: {. أفرأيتم ما تحرثون} ؟ وهو شق الأرض وإثارتها والبذر فيها، {أأنتم تزرعونه} أي: تنبتونه في الأرض {أم نحن الزارعون} أي: بل نحن الذين نقره قراره وننبته في الأرض. قال ابن جرير: وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولن: زرعت، ولكن قل: حرثت" قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله: {أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} . ورواه البزار، عن محمد بن عبد الرحيم، عن مسلم، الجميع به (1) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن: لا تقولوا: زرعنا ولكن قولوا: حرثنا. وروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ: {أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} وأمثالها يقول: بل أنت يا رب. وقوله: {لو نشاء لجعلناه حطاما} أي: نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا، وأبقيناه لكم رحمة بكم، ولو نشاء لجعلناه حطاما، أي: لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده، {فظلتم تفكهون} . ثم فسر ذلك بقوله: {إنا لمغرمون. بل نحن محرومون} أي: لو جعلناه حطاما لظلتم تفكهون في المقالة، تنوعون كلامكم، فتقولون تارة: {إنا لمغرمون} أي: لملقون. وقال مجاهد، وعكرمة: إنا لمولع بنا، وقال قتادة: معذبون. وتارة تقولون: بل نحن محرومون. وقال مجاهد أيضا: {إنا لمغرمون} ملقون للشر، أي: بل نحن محارفون، قاله قتادة، أي: لا يثبت لنا مال، ولا ينتج لنا ربح.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٥٤٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٤٨) ↗التحرير والتنوير
وإذا أريد بالحرد الغضب والحنق فإنه يقال: حرد بالتحريك وحرد بسكون الراء ويتعلق المجرور ب قادرين وتقديمه للحصر، أي غدوا لا قدرة لهم إلا على الحنق والغضب على المساكين لأنهم يقتحمون عليهم جنتهم كل يوم فتحيلوا عليهم بالتبكير إلى جذاذها، أي لم يقدروا إلا على الغضب والحنق ولم يقدروا على ما أرادوه من اجتناء ثمر الجنة. وعن السدي: أن حرد اسم قريتهم، أي جنتهم. وأحسب أنه تفسير ملفق وكأن صاحبه تصيده من فعلي اغدوا وغدوا. [26- 32] فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) أي استفاقوا من غفلتهم ورجعوا على أنفسهم باللائمة على بطرهم وإهمال شكر النعمة التي سيقت إليهم، وعلموا أنهم أخذوا بسبب ذلك، قال تعالى: وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون [الأعراف: 168] . ومن حكم الشيخ ابن عطاء الله الإسكندري «من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها» . وأفادت (لما) اقتران جوابها بشرطها بالفور والبداهة. والمقصود من هذا التعريض للمشركين بأن يكون حالهم في تدارك أمرهم وسرعة إنابتهم كحال أصحاب هذه الجنة إذ بادروا بالندم وسألوا الله عوض خير. وإسناد هذه المقالة إلى ضمير أصحاب الجنة [القلم: 17] يقتضي أنهم قالوه جميعا، أي اتفقوا على إدراك سبب ما أصابهم. ومعنى إنا لضالون أنهم علموا أنهم كانوا في ضلال أي عن طريق الشكر، أي كانوا غير مهتدين وهو كناية عن كون ما أصابهم عقابا على إهمال الشكر، فالضلال مجاز.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٨٥) ↗