سورة القلم · الآية ٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون } إلى آخر القصة يقول تعال: إنا بلونا هؤلاء المكذبين بالخير وأمهلناهم، وأمددناهم بما شئنا من مال وولد، وطول عمر، ونحو ذلك، مما يوافق أهواءهم، لا لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجا لهم من حيث لا يشعرون، فاغترارهم بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة، الذين هم فيها شركاء، حين زهت ثمارها أينعت أشجارها، وآن وقت صرامها، وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، [وأنه] ليس ثم مانع يمنعهم منها، ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء، أنهم سيصرمونها أي: يجذونها مصبحين، ولم يدروا أن الله بالمرصاد، وأن العذاب سيخلفهم عليها، ويبادرهم إليها. { فطاف عليها طآئف من ربك } أي: عذاب نزل عليها ليلا { وهم نآئمون } فأبادها وأتلفها { فأصبحت كالصريم } أي: كالليل المظلم، ذهبت الأشجار والثمار، هذا وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم، ولهذا تنادوا فيما بينهم لما أصبحوا يقول بعضهم لبعض: { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا } قاصدين له { وهم يتخافتون } فيما بينهم، ولكن بمنع حق الله، ويقولون: { لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } أي: بكروا قبل انتشار الناس، وتواصوا مع ذلك، بمنع الفقراء والمساكين، ومن شدة حرصهم وبخلهم، أنهم يتخافتون بهذا الكلام مخافتة، خوفا أن يسمعهم أحد، فيخبر الفقراء. { وغدوا } في هذه الحالة الشنيعة، والقسوة، وعدم الرحمة { على حرد قادرين } أي: على إمساك ومنع لحق الله، جازمين بقدرتهم عليها، { فلما رأوها } على الوصف الذي ذكر الله كالصريم، { قالوا } من الحيرة والانزعاج. { إنا لضآلون } [أي: تائهون] عنها، لعلها غيرها، فلما تحققوها، ورجعت إليهم عقولهم قالوا: { بل نحن محرومون } منها، فعرفوا حينئذ أنه عقوبة، ف { قال أوسطهم } أي: أعدلهم وأحسنهم طريقة { ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي: تنزهون الله عما لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
والفواكه {إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} أي: حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء، {ولا يستثنون} أي: فيما حلفوا به. ولهذا حنثهم الله في أيمانهم، فقال: {فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون} أي: أصابتها آفة سماوية، {فأصبحت كالصريم} قال ابن عباس: أي كالليل الأسود. وقال الثوري، والسدي: مثل الزرع إذا حصد، أي هشيما يبسا. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن أحمد بن الصباح: أنبأنا بشر بن زاذان، عن عمر بن صبح (1) عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والمعاصي، إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيئ له"، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم} قد حرموا خير جنتهم بذنبهم (2) . {فتنادوا مصبحين} أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى الجذاذ، {أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين} أي: تريدون الصرام. قال مجاهد: كان حرثهم عنبا. {فانطلقوا وهم يتخافتون} أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم. ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال: {فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين} أي: يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخلها عليكم! قال الله تعالى: {وغدوا على حرد} أي: قوة وشدة. وقال مجاهد: {وغدوا على حرد} أي: جد وقال عكرمة: غيظ. وقال الشعبي: {على حرد} على المساكين. وقال السدي: {على حرد} أي: كان اسم قريتهم حرد. فأبعد السدي في قوله هذا! {قادرين} أي: عليها فيما يزعمون ويرومون. {فلما رأوها قالوا إنا لضالون} أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال الله، عز وجل، قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٧٩) ↗التحرير والتنوير
… فكان يعيش منها اليتامى والأرامل والمساكين وكان له ثلاثة بنين، فلما توفي صاحب الجنة وصارت لأولاده أصبحوا ذوي ثروة وكانوا أشحة أو كان بعضهم شحيحا وبعضهم دونه فتمالؤوا على حرمان اليتامى والمساكين والأرامل وقالوا: لنغدون إلى الجنة في سدفة من الليل قبل انبلاج الصباح مثل وقت خروج الناس إلى جناتهم للجذاذ فلنجذنها قبل أن يأتي المساكين. فبيتوا ذلك وأقسموا أيمانا على ذلك، ولعلهم أقسموا ليلزموا أنفسهم بتنفيذ ما تداعوا إليه. وهذا يقتضي أن بعضهم كان مترددا في موافقتهم على ما عزموا عليه وأنهم ألجموه بالقسم وهذا الذي يلتئم مع قوله تعالى: قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون [القلم: 28] ، قيل كان يقول لهم: اتقوا الله واعدلوا عن خبث نيتكم من منع المساكين، وذكرهم انتقام الله من المجرمين، أي فغلبوه ومضوا لما عزموا عليه، ولعلهم أقسموا على أن يفعلوا وأقسموا عليه أن يفعل معهم ذلك فأقسم معهم أو وافقهم على ما أقسموا عليه، ولهذا الاعتبار أسند القسم إلى جميع أصحاب الجنة. فلما جاءوا جنتهم وجدوها مسودة قد أصابها ما يشبه الاحتراق فلما رأوها بتلك الحالة علموا أن ذلك أصابهم دون غيرهم لعزمهم على قطع ما كان ينتفع به الضعفاء من قومهم وأنابوا إلى الله رجاء أن يعطيهم خيرا منها. قيل: كانت هذه الجنة من أعناب. والصرم: قطع الثمرة وجذاذها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٨٠) ↗