سورة القلم · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون } إلى آخر القصة يقول تعال: إنا بلونا هؤلاء المكذبين بالخير وأمهلناهم، وأمددناهم بما شئنا من مال وولد، وطول عمر، ونحو ذلك، مما يوافق أهواءهم، لا لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجا لهم من حيث لا يشعرون، فاغترارهم بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة، الذين هم فيها شركاء، حين زهت ثمارها أينعت أشجارها، وآن وقت صرامها، وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، [وأنه] ليس ثم مانع يمنعهم منها، ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء، أنهم سيصرمونها أي: يجذونها مصبحين، ولم يدروا أن الله بالمرصاد، وأن العذاب سيخلفهم عليها، ويبادرهم إليها. { فطاف عليها طآئف من ربك } أي: عذاب نزل عليها ليلا { وهم نآئمون } فأبادها وأتلفها { فأصبحت كالصريم } أي: كالليل المظلم، ذهبت الأشجار والثمار، هذا وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم، ولهذا تنادوا فيما بينهم لما أصبحوا يقول بعضهم لبعض: { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا } قاصدين له { وهم يتخافتون } فيما بينهم، ولكن بمنع حق الله، ويقولون: { لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } أي: بكروا قبل انتشار الناس، وتواصوا مع ذلك، بمنع الفقراء والمساكين، ومن شدة حرصهم وبخلهم، أنهم يتخافتون بهذا الكلام مخافتة، خوفا أن يسمعهم أحد، فيخبر الفقراء. { وغدوا } في هذه الحالة الشنيعة، والقسوة، وعدم الرحمة { على حرد قادرين } أي: على إمساك ومنع لحق الله، جازمين بقدرتهم عليها، { فلما رأوها } على الوصف الذي ذكر الله كالصريم، { قالوا } من الحيرة والانزعاج. { إنا لضآلون } [أي: تائهون] عنها، لعلها غيرها، فلما تحققوها، ورجعت إليهم عقولهم قالوا: { بل نحن محرومون } منها، فعرفوا حينئذ أنه عقوبة، ف { قال أوسطهم } أي: أعدلهم وأحسنهم طريقة { ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي: تنزهون الله عما لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الصرام. قال مجاهد: كان حرثهم عنبا. {فانطلقوا وهم يتخافتون} أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم. ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال: {فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين} أي: يقول بعضهم لبعض: لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخلها عليكم! قال الله تعالى: {وغدوا على حرد} أي: قوة وشدة. وقال مجاهد: {وغدوا على حرد} أي: جد وقال عكرمة: غيظ. وقال الشعبي: {على حرد} على المساكين. وقال السدي: {على حرد} أي: كان اسم قريتهم حرد. فأبعد السدي في قوله هذا! {قادرين} أي: عليها فيما يزعمون ويرومون. {فلما رأوها قالوا إنا لضالون} أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال الله، عز وجل، قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق؛ ولهذا قالوا: {إنا لضالون} أي: قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها. قاله ابن عباس وغيره. ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي فقالوا: {بل نحن محرومون} أي: بل هذه هي، ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب. {قال أوسطهم} قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والربيع بن أنس، والضحاك، وقتادة: أي: أعدلهم وخيرهم: {ألم أقل لكم لولا تسبحون} ! قال مجاهد، والسدي، وابن جريج: {لولا تسبحون} أي: لولا تستثنون. قال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحا.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/١٩٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٧٩) ↗التحرير والتنوير
وجملة وغدوا على حرد قادرين في موضع الحال بتقدير (قد) ، أي انطلقوا في حال كونهم غادين قادرين على حرد. وذكر فعل غدوا في جملة الحال لقصد التعجيب من ذلك الغدو النحس كقول امرئ القيس: وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد بعد قوله: تطاول ليلك بالأثمد ... وبات الخلي ولم ترقد يخاطب نفسه على طريقة فيها التفات أو التفاتان. والحرد: يطلق على المنع وعلى القصد القوي، أي السرعة وعلى الغضب. وفي إيثار كلمة حرد في الآية نكتة من نكت الإعجاز المتعلق بشرف اللفظ ورشاقته من حيث المعنى، ومن جهة تعلق المجرور به بما يناسب كل معنى من معانيه، أي بأن يتعلق على حرد ب قادرين، أو بقوله غدوا، فإذا علق ب قادرين، فتقديم المتعلق يفيد تخصيصا، أي قادرين على المنع، أي منع الخير أو منع ثمر جنتهم غير قادرين على النفع. والتعبير بقادرين على حرد دون أن يقول: وغدوا حاردين تهكم لأن شأن فعل القدرة أن يذكر في الأفعال التي يشق على الناس إتيانها قال تعالى: لا يقدرون على شيء مما كسبوا [البقرة: 264] وقال: بلى قادرين على أن نسوي بنانه [القيامة: 4] فقوله: على حرد قادرين على هذا الاحتمال من باب قولهم: فلان لا يملك إلا الحرمان أو لا يقدر إلا على الخيبة. وإذا حمل الحرد على معنى السرعة والقصد كان على حرد متعلقا ب غدوا مبينا لنوع الغدو، أي غدوا غدو سرعة واعتناء، فتكون على بمعنى باء المصاحبة، والمعنى: غدوا بسرعة ونشاط، ويكون قادرين حالا من ضمير غدوا حالا مقدرة، أي مقدرين أنهم قادرون على تحقيق ما أرادوا. وفي الكلام تعريض بأنهم خابوا، دل عليه قوله بعده فلما رأوها قالوا إنا لضالون [القلم: 26] ، وقوله قبله فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٨٤) ↗