سورة الملك · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تهديد ووعيد لمن استمر في طغيانه وتعديه، وعصيانه الموجب للنكال وحلول العقوبة، فقال: { ءأمنتم من في السمآء } وهو الله تعالى، العالي على خلقه. { أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور } بكم وتضطرب، حتى تتلفكم وتهلككم. { أم أمنتم من في السمآء أن يرسل عليكم حاصبا } أي: عذابا من السماء يحصبكم، وينتقم الله منكم { فستعلمون كيف نذير } أي: كيف يأتيكم ما أنذرتكم به الرسل والكتب، فلا تحسبوا أن أمنكم من الله أن يعاقبكم بعقاب من الأرض ومن السماء ينفعكم، فستجدون عاقبة أمركم، سواء طال عليكم الزمان أو قصر، فإن من قبلكم، كذبوا كما كذبتم، فأهلكهم الله تعالى، فانظروا كيف إنكار الله عليهم، عاجلهم بالعقوبة الدنيوية قبل عقوبة الآخرة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الملك ١٦–١٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء {أو من تحت أرجلكم} فخدم السوء. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {عذابا من فوقكم} يعني: أمراءكم. {أو من تحت أرجلكم} يعني: عبيدكم وسفلتكم. وحكى ابن أبي حاتم، عن أبي سنان وعمير بن هانئ، نحو ذلك. وقال ابن جرير: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح، لكن الأول أظهر وأقوى. وهو كما قال (6) ابن جرير، رحمه الله، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير * [ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير] (7) } [الملك: 16 -18] ، وفي الحديث: "ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ" (8) وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٧٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
كان نكيري تكذيبهم إياهم. {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات} [الملك: 19] يقول: أو لم ير هؤلاء المشركون {إلى الطير فوقهم صافات} [الملك: 19] أجنحتهن {ويقبضن} [الملك: 19] يقول: ويقبضن أجنحتهن أحيانا. وإنما عني بذلك أنها تصف أجنحتها أحيانا، وتقبض أحيانا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٣٠) ↗التحرير والتنوير
وحذفت ياء المتكلم من نذيري تخفيفا وللرعي على الفاصلة. والنذير مصدر بمعنى الإنذار مثل النكير بمعنى الإنكار. وقدم التهديد بالخسف على التهديد بالحاصب لأن الخسف من أحوال الأرض، والكلام على أحوالها أقرب هنا فسلك شبه طريق النشر المعكوس، ولأن إرسال الحاصب عليهم جزاء على كفرهم بنعمة الله التي منها رزقهم في الأرض المشار إليه بقوله: وكلوا من رزقه [الملك: 15] فإن منشأ الأرزاق الأرضية من غيوث السماء قال تعالى وفي السماء رزقكم [الذاريات: 22] . [18] 18] ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) بعد أن وجه الله إليهم الخطاب تذكيرا واستدلالا وامتنانا وتهديدا وتهويلا ابتداء من قوله: وأسروا قولكم أو اجهروا به [الملك: 13] التفت عن خطابهم إلى الإخبار عنهم بحالة الغيبة، تعريضا بالغضب عليهم بما أتوه من كل تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانوا جديرين بإبعادهم عز الحضور للخطاب، فلذلك لم يقل (ولقد كذب الذين من قبلكم) ولم يقطع توجيه التذكير إليهم والوعيد لعلهم يتدبرون في أن الله لم يدخرهم نصحا. فالجملة عطف على جملة أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا [الملك: 17] لمناسبة أن مما عوقب به بعض الأمم المكذبين من خسف أو إرسال حجارة من السماء وهم قوم لوط، ومنهم من خسف بهم مثل أصحاب الرس. ولك أن تجعل الواو للحال، أي كيف تأمنون ذلك عند ما تكذبون الرسول في حال أنه قد كذب الذين من قبلكم فهل علمتم ما أصابهم على تكذيبهم الرسل. ضرب الله لهم مثلا بأمم من قبلهم كذبوا الرسل فأصابهم من الاستئصال ما قد علموا أخباره لعلهم أن يتعظوا بقياس التمثيل إن كانت عقولهم لم تبلغ درجة الانتفاع بأقيسة الاستنتاج، فإن المشركين من العرب عرفوا آثار عاد وثمود وتناقلوا أخبار قوم نوح وقوم لوط وأصحاب الرس وفرع فكيف كان نكير استفهاما تقريريا وتنكيريا وهو كناية عن تحقيق وقوعه وأنه وقع في حال فظاعة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٦) ↗