سورة الملك · الآية ١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تهديد ووعيد لمن استمر في طغيانه وتعديه، وعصيانه الموجب للنكال وحلول العقوبة، فقال: { ءأمنتم من في السمآء } وهو الله تعالى، العالي على خلقه. { أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور } بكم وتضطرب، حتى تتلفكم وتهلككم. { أم أمنتم من في السمآء أن يرسل عليكم حاصبا } أي: عذابا من السماء يحصبكم، وينتقم الله منكم { فستعلمون كيف نذير } أي: كيف يأتيكم ما أنذرتكم به الرسل والكتب، فلا تحسبوا أن أمنكم من الله أن يعاقبكم بعقاب من الأرض ومن السماء ينفعكم، فستجدون عاقبة أمركم، سواء طال عليكم الزمان أو قصر، فإن من قبلكم، كذبوا كما كذبتم، فأهلكهم الله تعالى، فانظروا كيف إنكار الله عليهم، عاجلهم بالعقوبة الدنيوية قبل عقوبة الآخرة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الملك ١٦–١٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أم لا وكلما تكرر حلا وعلا لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] وقال: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} [الزخرف: 71] ، وقال في الترهيب: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر} [الإسراء: 68] ، {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} [الملك: 16، 17] وقال في الزجر: {فكلا أخذنا بذنبه} [العنكبوت: 40] ، وقال في الوعظ: {أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} [الشعراء: 205 -207] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فأوعها سمعك فإنه خير ما يأمر به أو شر ينهى عنه. ولهذا قال تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} الآية [الأعراف: 157] ، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم. ولهذا ثبت في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وتضطرب. {أم أمنتم من في السماء} [الملك: 17] وهو الله {أن يرسل عليكم حاصبا} [الملك: 17] وهو التراب فيه PageEndV23P130 الحصباء الصغار. {فستعلمون كيف نذير} [الملك: 17] يقول: فستعلمون أيها الكفرة كيف عاقبة نذيري لكم، إذ كذبتم به، ورددتموه على رسولي.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/١٢٩) ↗التحرير والتنوير
الماضي، وحذف المركب الدال على الحالة المشبه بها ورمز إليه بما هو من آثاره ويتفرع عنه فكان في الكلام تمثيلية مكنية. والمور: الارتجاج والاضطراب وتقدم في قوله تعالى: يوم تمور السماء مورا في سورة الطور [9] . [17] 17] أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) أم لإضراب الانتقال من غرض إلى غرض، وهو انتقال من الاستفهام الإنكاري التعجيبي إلى آخر مثله باعتبار اختلاف الأثرين الصادرين عن مفعول الفعل المستفهم عنه اختلافا يوجب تفاوتا بين كنهي الفعلين وإن كانا متحدين في الغاية، فالاستفهام الأول إنكار على أمنهم الذي في السماء من أن يفعل فعلا أرضيا. والاستفهام الواقع مع أم إنكار عليهم أن يأمنوا من أن يرسل عليهم من السماء حاصب وذلك أمكن لمن في السماء وأشد وقعا على أهل الأرض. والكلام على قوله: من في السماء تقدم في الآية قبلها ما يغني عنه. وتفريع جملة فستعلمون كيف نذير على الاستفهام الإنكاري كتفريع ملة فإذا هي تمور [الملك: 16] أي فحين يخسف بكم أو يرسل عليهم حاصب تعلمون كيف نذيري، وحرف التنفيس حقه الدخول على الأخبار التي ستقع في المستقبل، وإرسال الحاصب غير مخبر بحصوله وإلا لما تخلف لأن خبر الله لا يتخلف. وإنما هو تهديد وتحذير فإنهم ربما آمنوا وأقلعوا فسلموا من إرسال الحاصب عليهم ولكن لما أريد تحقيق هذا التهديد شبه بالأمر الذي وقع فكان تفريع صيغة الإخبار على هذا مؤذنا بتشبيه المهدد به بالأمر الواقع على طريقة التمثيلية المكنية، وجملة فستعلمون قرينتها لأنها من روادف المشبه به كما تقدم. وكيف نذير، استفهام معلق فعل (تعلمون) عن العمل، وهو استفهام للتهديد والتهويل، والجملة مستأنفة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٩/٣٥) ↗