سورة التغابن · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن عناد الكافرين، وزعمهم الباطل، وتكذيبهم بالبعث بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فأمر أشرف خلقه، أن يقسم بربه على بعثهم، وجزائهم بأعمالهم الخبيثة، وتكذيبهم بالحق، { وذلك على الله يسير } فإنه وإن كان عسيرا، بل متعذرا بالنسبة إلى الخلق، فإن قواهم كلهم لو اجتمعت على إحياء ميت [واحد]، ما قدروا على ذلك. وأما الله تعالى، فإنه إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون، قال تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السموت ومن في الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون [الزمر: 68].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التغابن ٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
والثالثة هي هذه [ {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} ] (1) ثم قال تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} يعني: القرآن، {والله بما تعملون خبير} أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية. وقوله: {يوم يجمعكم ليوم الجمع} وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما قال تعالى: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود} [هود: 103] وقال تعالى: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} [الواقعة: 49، 50] وقوله: {ذلك يوم التغابن} قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة. وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار. وكذا قال قتادة ومجاهد. وقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويذهب بأولئك إلى النار. قلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير} وقد تقدم تفسير مثل هذه (2) غير مرة. يقول تعالى مخبرا بما أخبر به في سورة الحديد: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] وهكذا قال هاهنا: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} قال ابن عباس: بأمر الله، يعني: عن قدره (3) ومشيئته. {ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم} أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرا منه. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/١٣٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٨) ↗التحرير والتنوير
اختلال تلك الملابسة في بعض الأحوال. وتخلف الجزاء عن الأعمال في الدنيا مشاهد إذ كثيرا ما نرى الصالحين في كرب ونرى أهل الفساد في نعمة، فلو كانت هذه الحياة الدنيا قصارى حياة المكلفين لكان كثير من أهل الصلاح غير لاق جزاء على صلاحه. وانقلب أكثر أهل الفساد متمتعا بإرضاء خباثة نفسه ونوال مشتهياته، فكان خلق كلا هذين الفريقين غير ملابس للحق، بالمعنى المراد. ولزيادة الإيقاظ لهذا الإيمان عطف عليه قوله: وإليه المصير وكل ذلك توطئة إلى ما سبقه من قوله تعالى: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا [التغابن: 7] الآية. وفي قوله: بالحق رمز إلى الجزاء وهو وعيد ووعد. وفي قوله: خلق السماوات إلى آخره إظهار أيضا لعظمة الله في ملكوته. وصوركم فأحسن صوركم. إدماج امتنان على الناس بأنهم مع ما خلقوا عليه من ملابسة الحق على وجه الإجمال وذلك من الكمال وهو ما اقتضته الحكمة الإلهية فقد خلقوا في أحسن تقويم إذ كانت صورة الإنسان مستوفية الحسن متماثلة فيه لا يعتورها من فظاعة بعض أجزائها ونقصان الانتفاع بها ما يناكد محاسن سائرها بخلاف محاسن أحاسن الحيوان من الدواب والطير والحيتان من مشي على أربع مع انتكاس الرأس غالبا، أو زحف، أو نقز في المشي في البعض. ولا تعتور الإنسان نقائص في صورته إلا من عوارض تعرض في مدة تكوينه من صدمات لبطون الأمهات، أو علل تحل بهن، أو بالأجنة أو من عوارض تعرض له في مدة حياته فتشوه بعض محاسن الصور. فلا يعد ذلك من أصل تصوير الإنسان على أن ذلك مع ندرته لا يعد فظاعة ولكنه نقص نسبي في المحاسن فقد جمع بين الإيماء إلى ما اقتضته الحكمة قد نبههم إلى ما اقتضاه الإنعام. وفيه إشارة إلى دليل إمكان البعث كما قال: أفعيينا بالخلق الأول [ق: 15] ، وقال: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم [يس: 81] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٦٥) ↗