البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة التغابن · الآية ٦

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ۚ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر تعالى من أوصافه الكاملة العظيمة، ما به يعرف ويعبد، ويبذل الجهد في مرضاته، وتجتنب مساخطه، أخبر بما فعل بالأمم السابقين، والقرون الماضين، الذين لم تزل أنباؤهم يتحدث بها المتأخرون، ويخبر بها الصادقون، وأنهم حين جاءتهم الرسل بالحق، كذبوهم وعاندوهم، فأذاقهم الله وبال أمرهم في الدنيا، وأخزاهم فيها، { ولهم عذاب أليم } في [الدار] الآخرة، ولهذا ذكر السبب في هذه العقوبة فقال: { ذلك } النكال والوبال، الذي أحللناه بهم { كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } أي: بالآيات الواضحات، الدالة على الحق والباطل، فاشمأزوا واستكبروا على رسلهم، فقالوا: { أبشر يهدوننا } أي: فليس لهم فضل علينا، ولأي: شيء خصهم الله دوننا، كما قال في الآية الأخرى: قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده [إبراهيم: 11] فهم حجروا فضل الله ومنته على أنبيائه أن يكونوا رسلا للخلق، واستكبروا عن الانقياد لهم، فابتلوا بعبادة الأحجار والأشجار ونحوها { فكفروا } بالله { وتولوا } عن طاعة الله، { واستغنى الله } عنهم، فلا يبالي بهم، ولا يضره ضلالهم شيئا، { والله غني حميد } أي: هو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه، الحميد في أقواله وأفعاله وأوصافه.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: التغابن ٥–٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرض ربي عز وجل ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما -أو نحو ذلك -فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". ورواه الترمذي في "الزهد" عن سويد بن نصر (2) عن ابن المبارك، به (3) وقال: هذا حديث حسن. وعلي بن يزيد يضعف في الحديث. يقول تعالى: {وما منع الناس} أي: أكثرهم {أن يؤمنوا} ويتابعوا الرسل، إلا استعجابهم من بعثته (4) البشر رسلا كما قال تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا} [يونس: 2] . وقال تعالى: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد} [التغابن: 6] ، وقال فرعون وملؤه: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} [المؤمنون: 47] ، وكذلك قالت (5) الأمم لرسلهم: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} [إبراهيم: 10] ، والآيات في هذا كثيرة. ثم قال تعالى منبها على لطفه ورحمته بعباده: إنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} [آل عمران: 164] ، وقال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] ، وقال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون * فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 151، 152] ؛ ولهذا قال هاهنا: {لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} أي: كما أنتم فيها {لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} أي: من جنسهم، ولما كنتم أنتم بشرا، بعثنا فيكم رسلنا (6) منكم لطفا ورحمة.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٢١) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

كفروا من قبلكم، وذلك كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط. {فذاقوا وبال أمرهم} [التغابن: 5] فمسهم عذاب الله إياهم على كفرهم. {ولهم عذاب PageEndV23P008 أليم} [البقرة: 10] يقول: ولهم عذاب مؤلم موجع يوم القيامة في نار جهنم، مع الذي أذاقهم الله في الدنيا وبال كفرهم.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٣/٧) ↗

التحرير والتنوير

الخطاب موجه للمشركين الذين حالهم كحال من لم يبلغهم نبأ الذين كفروا مثل كفرهم، مثل عاد وثمود ومدين وقوم إبراهيم. والاستفهام تقريري، والتقريري يؤتى معه بالجملة منفية توسعة على المقرر إن كان يريد الإنكار حتى إذا أقر لم يستطع بعد إقراره إنكارا لأنه قد أعذر له من قبل بتلقينه النفي وقد تقدم غير مرة. وحذف ما أضيف إليه قبل ونوي معناه، والتقدير: من قبلكم، أي في الكفر بقرينة قوله: فمنكم كافر [التغابن: 2] . والكافرون يعلمون أنهم المقصود لأنهم مقدمون على الكفر ومستمرون عليه. والوبال: السوء وما يكره. والأمر: الشأن والحال. والذوق مجاز في مطلق الإحساس والوجدان، شبه ما حل بهم من العذاب بشيء ذي طعم كريه يذوقه من حل به ويبتلعه لأن الذوق باللسان أشد من اللمس باليد أو بالجلد. والمعنى: أحسوا العذاب في الدنيا إحساسا مكينا. وقوله: ولهم عذاب أليم مراد به عذاب الآخرة لأن العطف يقتضي المغايرة. [6] 6] ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6) ارتقاء في التعريض إلى ضرب منه قريب من الصريح. وهو المسمى في الكناية بالإشارة. كانت مقالة الذين من قبل مماثلة لمقالة المخاطبين فإذا كانت هي سبب ما ذاقوه من الوبال فيوشك أن يذوق مماثلوهم في المقالة مثل ذلك الوبال. فاسم الإشارة عائد إلى المذكور من الوبال والعذاب الأليم. فهذا عد لكفر آخر من وجوه كفرهم وهو تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم بالقرآن فإن القرآن بينة من البينات لأنه معجزة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٦٨) ↗