سورة المنافقون · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا من شدة عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لما رأوا اجتماع أصحابه وائتلافهم، ومسارعتهم في مرضاة الرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا بزعمهم الفاسد: { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } فإنهم - بزعمهم - لولا أموال المنافقين ونفقاتهم عليهم، لما اجتمعوا في نصرة دين الله، وهذا من أعجب العجب، أن يدعى هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل هذه الدعوى، التي لا تروج إلا على من لا علم له بحقائق الأمور ولهذا قال الله ردا لقولهم: { ولله خزآئن السموت والأرض } فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على من يشاء، { ولكن المنافقين لا يفقهون } فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في أيديهم، وتحت مشيئتهم. { يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } وذلك في غزوة المريسيع، حين صار بين بعض المهاجرين والأنصار بعض كلام كدر الخواطر، ظهر حينئذ نفاق المنافقين، وأظهروا ما في نفوسهم. وقال كبيرهم، عبد الله بن أبي بن سلول: ما مثلنا ومثل هؤلاء - يعني المهاجرين - إلا كما قال القائل: " غذ كلبك يأكلك ". وقال: لئن رجعنا إلى المدينة { ليخرجن الأعز منها الأذل } بزعمه أنه هو وإخوانه من المنافقين الأعزون، وأن رسول الله ومن معه هم الأذلون، والأمر بعكس ما قال هذا المنافق، فلهذا قال [تعالى:] { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } فهم الأعزاء، والمنافقون وإخوانهم من الكفار [هم] الأذلاء. { ولكن المنافقين لا يعلمون } [ذلك] فلذلك زعموا أنهم الأعزاء، اغترارا بما هم عليه من الباطل، ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المنافقون ٧–٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني (1) قال: قال سفيان {لووا رءوسهم} قال ابن أبي عمر: حول سفيان وجهه على يمينه، ونظر بعينه شزرا، ثم قال: هم (2) هذا. وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول كما سنورده قريبا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان. وقد قال محمد بن إسحاق في السيرة: ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة -يعني مرجعه من أحد-وكان عبد الله بن أبي بن سلول -كما حدثني ابن شهاب الزهري-له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر، شرفا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام، فقال: أيها الناس، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزكم به، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا. ثم جلس، حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع -يعني مرجعه بثلث الجيش-ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس، أي عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت. فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا؛ أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك. ما لك؟ قال: قمت أشدد أمره، فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجرا، أن قمت أشدد أمره. قالوا: ويلك. ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي (3) وقال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعذموه (4) وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو (5) الله: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فجعل يلوي رأسه، أي: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بالأعز: الأشد والأقوى، قال الله جل ثناؤه: {ولله العزة} [المنافقون: 8] يعني: الشدة والقوة {ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون: 8] بالله ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك. وذكر أن سبب قيل ذلك عبد الله بن أبي كان من أجل أن رجلا من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٦٦١) ↗التحرير والتنوير
8] يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) استئناف ثان على أسلوب التعداد والتكرير ولذلك لم يعطف. ومثله يكثر في مقام التوبيخ. وهذا وصف لخبث نواياهم إذ أرادوا التهديد وإفساد إخلاص الأنصار وأخوتهم مع المهاجرين بإلقاء هذا الخاطر في نفوس الأنصار بذرا للفتنة والتفرقة وانتهازا لخصومة طفيفة حدثت بين شخصين من موالي الفريقين، وهذا القول المحكي هنا صدر من عبد الله بن أبي ابن سلول حين كسع حليف المهاجرين حليف الأنصار كما تقدم في ذكر سبب نزول هذه السورة، وعند قوله تعالى: هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله [المنافقون: 7] فإسناد القول إلى ضمير المنافقين هنا كإسناده هناك. وصيغة المضارع في حكاية هذه المقالة لاستحضار الحالة العجيبة كقوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] . والمدينة هي مدينتهم المعهودة وهي يثرب. والأعز: القوي العزة وهو الذي لا يقهر ولا يغلب على تفاوت في مقدار العزة إذ هي من الأمور النسبية. والعزة تحصل بوفرة العدد وسعة المال والعدة، وأراد ب الأعز فريق الأنصار فإنهم أهل المدينة وأهل الأموال وهم أكثر عددا من المهاجرين فأراد ليخرجن الأنصار من مدينتهم من جاءها من المهاجرين. وقد أبطل الله كلامهم بقوله: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وهو جواب بالطريقة التي تسمى القول بالموجب في علم الجدل وهي مما يسمى بالتسليم الجدلي في علم آداب البحث. والمعنى: إن كان الأعز يخرج الأذل فإن المؤمنين هم الفريق الأعز. وعزتهم بكون الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وبتأييد الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأولياءه لأن عزة الله هي العزة الحق المطلقة، وعزة غيره ناقصة، فلا جرم أن أولياء الله هم الذين لا يقهرون إذا أراد الله نصرهم ووعدهم به. فإن كان إخراج من المدينة فإنما يخرج منها أنتم يا أهل النفاق.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٤٩) ↗