البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة المنافقون · الآية ١٠

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره، فإن في ذلك الربح والفلاح، والخيرات الكثيرة، وينهاهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن ذكره، فإن محبة المال والأولاد مجبولة عليها أكثر النفوس، فتقدمها على محبة الله، وفي ذلك الخسارة العظيمة، ولهذا قال تعالى: { ومن يفعل ذلك } أي: يلهه ماله وولده، عن ذكر الله { فأولئك هم الخاسرون } للسعادة الأبدية، والنعيم المقيم، لأنهم آثروا ما يفنى على ما يبقى، قال تعالى: إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم [التغابن: 15]. وقوله: { وأنفقوا من ما رزقناكم } يدخل في هذا، النفقات الواجبة، من الزكاة والكفارات، ونفقة الزوجات، والمماليك، ونحو ذلك، والنفقات المستحبة، كبذل المال في جميع المصالح، وقال: { من ما رزقناكم } ليدل ذلك على أنه تعالى، لم يكلف العباد من النفقة ما يعنتهم ويشق عليهم، بل أمرهم بإخراج جزء مما رزقهم الله الذي يسره لهم ويسر لهم أسبابه. فليشكروا الذي أعطاهم، بمواساة إخوانهم المحتاجين، وليبادروا بذلك، الموت الذي إذا جاء، لم يمكن العبد أن يأتي بمثقال ذرة من الخير، ولهذا قال: { من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول } متحسرا على ما فرط في وقت الإمكان، سائلا الرجعة التي هي محال: { رب لولا أخرتني إلى أجل قريب } أي: لأتدارك ما فرطت فيه، { فأصدق } من مالي، ما به أنجو من العذاب، وأستحق به جزيل الثواب، { وأكن من الصالحين } بأداء المأمورات كلها، واجتناب المنهيات، ويدخل في هذا، الحج وغيره، وهذا السؤال والتمني، قد فات وقته، ولا يمكن تداركه، ولهذا قال: { ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ } المحتوم لها { والله خبير بما تعملون } من خير وشر، فيجازيكم على ما علمه منكم، من النيات والأعمال.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المنافقون ٩–١١) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى آمرا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك ومخبرا لهم بأنه من التهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} فكل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئا يسيرا، يستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات! كان ما كان، وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال [الله] (1) تعالى: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} [إبراهيم: 44] وقال تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون: 99، 100] ثم قال تعالى: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} أي: لا ينظر أحدا بعد حلول أجله، وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقا في قوله وسؤاله ممن لو رد لعاد إلى شر مما كان عليه؛ ولهذا قال: {والله خبير بما تعملون} وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو جناب الكلبي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاة، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا ابن عباس، اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار. فقال سأتلوا عليك بذلك قرآنا: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق [وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

التي رزقناكم {من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول} [المنافقون: 10] إذا نزل به الموت: يا رب هلا أخرتني فتمهل لي في الأجل إلى أجل قريب {فأصدق} [المنافقون: 10] يقول: فأزكي مالي {وأكن من الصالحين} [المنافقون: 10] يقول: وأعمل بطاعتك، وأؤدي فرائضك. وقيل: عنى بقوله: {وأكن من الصالحين} [المنافقون: 10] وأحج بيتك الحرام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٦٧١) ↗

التحرير والتنوير

وقوله: ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون، دليل على قول علماء أصول الفقه «النهي اقتضاء كف عن فعل» . والإشارة ب ذلك إلى اللهو عن ذكر الله بسبب الأموال والأولاد، أي ومن يله عن ذكر الله، أي يترك ذكر الله الذي أوجبه مثل الصلاة في الوقت ويترك تذكر الله، أي مراعاة أوامره ونواهيه. ومتى كان اللهو عن ذكر الله بالاشتغال بغير الأموال وغير الأولاد كان أولى بحكم النهي والوعيد عليه. وأفاد ضمير الفصل في قوله: فأولئك هم الخاسرون قصر صفة الخاسر على الذين يفعلون الذي نهوا عنه، وهو قصر ادعائي للمبالغة في اتصافهم بالخسران كأن خسران غيرهم لا يعد خسرانا بالنسبة إلى خسرانهم. والإشارة إليهم ب فأولئك للتنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإشارة بسبب ما ذكر قبل اسم الإشارة، أعني اللهو عن ذكر الله. [10] 10] وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) هذا إبطال ونقض لكيد المنافقين حين قالوا: لا تنفقوا على من عند رسول الله [المنافقون: 7] ، وهو يعم الإنفاق على الملتفين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم والإنفاق على غيرهم فكانت الجملة كالتذييل. وفعل أنفقوا مستعمل في الطلب الشامل للواجب والمستحب فإن مدلول صيغة: افعل، مطلق الطلب، وهو القدر المشترك بين الوجوب والندب. وفي قوله: من ما رزقناكم إشارة إلى أن الإنفاق المأمور به شكر لله على ما رزق المنفق فإن الشكر صرف العبد ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله، ويعرف ذلك من تلقاء الشريعة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٥٢) ↗