سورة المنافقون · الآية ١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره، فإن في ذلك الربح والفلاح، والخيرات الكثيرة، وينهاهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن ذكره، فإن محبة المال والأولاد مجبولة عليها أكثر النفوس، فتقدمها على محبة الله، وفي ذلك الخسارة العظيمة، ولهذا قال تعالى: { ومن يفعل ذلك } أي: يلهه ماله وولده، عن ذكر الله { فأولئك هم الخاسرون } للسعادة الأبدية، والنعيم المقيم، لأنهم آثروا ما يفنى على ما يبقى، قال تعالى: إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم [التغابن: 15]. وقوله: { وأنفقوا من ما رزقناكم } يدخل في هذا، النفقات الواجبة، من الزكاة والكفارات، ونفقة الزوجات، والمماليك، ونحو ذلك، والنفقات المستحبة، كبذل المال في جميع المصالح، وقال: { من ما رزقناكم } ليدل ذلك على أنه تعالى، لم يكلف العباد من النفقة ما يعنتهم ويشق عليهم، بل أمرهم بإخراج جزء مما رزقهم الله الذي يسره لهم ويسر لهم أسبابه. فليشكروا الذي أعطاهم، بمواساة إخوانهم المحتاجين، وليبادروا بذلك، الموت الذي إذا جاء، لم يمكن العبد أن يأتي بمثقال ذرة من الخير، ولهذا قال: { من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول } متحسرا على ما فرط في وقت الإمكان، سائلا الرجعة التي هي محال: { رب لولا أخرتني إلى أجل قريب } أي: لأتدارك ما فرطت فيه، { فأصدق } من مالي، ما به أنجو من العذاب، وأستحق به جزيل الثواب، { وأكن من الصالحين } بأداء المأمورات كلها، واجتناب المنهيات، ويدخل في هذا، الحج وغيره، وهذا السؤال والتمني، قد فات وقته، ولا يمكن تداركه، ولهذا قال: { ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ } المحتوم لها { والله خبير بما تعملون } من خير وشر، فيجازيكم على ما علمه منكم، من النيات والأعمال.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المنافقون ٩–١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} فكل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئا يسيرا، يستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات! كان ما كان، وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال [الله] (1) تعالى: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال} [إبراهيم: 44] وقال تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [المؤمنون: 99، 100] ثم قال تعالى: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} أي: لا ينظر أحدا بعد حلول أجله، وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقا في قوله وسؤاله ممن لو رد لعاد إلى شر مما كان عليه؛ ولهذا قال: {والله خبير بما تعملون} وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو جناب الكلبي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاة، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا ابن عباس، اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار. فقال سأتلوا عليك بذلك قرآنا: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق [وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها] والله خبير بما تعملون} (2) قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدا. قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير. ثم قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن يحيى بن أبي حية -وهو أبو جناب الكلبي-عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه (3) ثم قال: وقد رواه سفيان بن عيينة وغيره، عن أبي جناب، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
التي رزقناكم {من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول} [المنافقون: 10] إذا نزل به الموت: يا رب هلا أخرتني فتمهل لي في الأجل إلى أجل قريب {فأصدق} [المنافقون: 10] يقول: فأزكي مالي {وأكن من الصالحين} [المنافقون: 10] يقول: وأعمل بطاعتك، وأؤدي فرائضك. وقيل: عنى بقوله: {وأكن من الصالحين} [المنافقون: 10] وأحج بيتك الحرام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٦٧١) ↗التحرير والتنوير
كما تحذف الألف اختصارا بكثرة في المصاحف. وقال القراء العرب: قد تسقط الواو في بعض الهجاء كما أسقطوا الألف من سليمان وأشباهه، أي كما أسقطوا الواو الثانية من داوود وبكثرة يكتبونه داود. قال الفراء: ورأيت في مصاحف عبد الله «فقولا» نقلا بغير واو، وكل هذا لا حاجة إليه لأن القرآن ملتقى بالتواتر لا بهجاء المصاحف وإنما المصاحف معينة على حفظه. [11] ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها. اعتراض في آخر الكلام فالواو اعتراضية تذكيرا للمؤمنين بالأجل لكل روح عند حلولها في جسدها حين يؤمر الملك الذي ينفخ الروح يكتب أجله وعمله ورزقه وشقي أو سعيد. فالأجل هو المدة المعينة لحياته لا يؤخر عن أمده فإذا حضر الموت كان دعاء المؤمن الله بتأخير أجله من الدعاء الذي استجاب لأن الله قدر الآجال. وهذا سر عظيم لا يعلم حكمة تحديده إلا الله تعالى. والنفس: الروح، سميت نفسا أخذا من النفس بفتح الفاء وهو الهواء الذي يخرج من الأنف والفم من كل حيوان ذي رئة، فسميت النفس نفسا لأن النفس يتولد منها، كما سمي مرادف النفس روحا لأنه مأخوذ الروح بفتح الراء لأن الروح به. قاله أبو بكر بن الأنباري. وأجلها الوقت المحدد لبقائها في الهيكل الإنساني. ويجوز أن يراد بالنفس الذات، أي شخص الإنسان وهو من معاني النفس. كما في قوله تعالى: أن النفس بالنفس [المائدة: 45] وأجلها الوقت المعين مقداره لبقاء الحياة. ولن لتأكيد نفي التأخير، وعموم نفسا في سياق النفي يعم نفوس المؤمنين وغيرهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٥٥) ↗