سورة الصف · الآية ٨
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مخبرا عن عناد بني إسرائيل المتقدمين، الذين دعاهم عيسى ابن مريم، وقال لهم: { يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم } أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير وأنهاكم عن الشر، [وأيدني بالبراهين الظاهرة]، ومما يدل على صدقي، كوني { مصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: جئت بما جاء به موسى من التوراة والشرائع السماوية، ولو كنت مدعيا للنبوة، لجئت بغير ما جاءت به المرسلون، ومصدقا لما بين يدي من التوارة أيضا، أنها أخبرت بي وبشرت، فجئت وبعثت مصداقا لها { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي. فعيسى عليه الصلاة والسلام كالأنبياء، يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي { فلما جاءهم } محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى { بالبينات } أي: الأدلة الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول الله [حقا]. { قالوا } معاندين للحق مكذبين له { هذا سحر مبين } وهذا من أعجب العجائب، الرسول الذي [قد] وضحت رسالته، وصارت أبين من شمس النهار، يجعل ساحرا بينا سحره، فهل في الخذلان أعظم من هذا؟ وهل في الافتراء أعظم من هذا الافتراء، الذي نفى عنه ما كان معلوما من رسالته، وأثبت له ما كان أبعد الناس منه؟ { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب } بهذا وغيره، والحال أنه لا عذر له، وقد انقطعت حجته، لأنه { يدعى إلى الإسلام } ويبين له ببراهينه وبيناته، { والله لا يهدي القوم الظالمين } الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردهم عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان ولا برهان، خصوصا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل، ولهذا قال الله عنهم: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم } أي: بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة، التي يردون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم} أي: يحاولون (1) أن يردوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذلك ذاك مستحيل (2) ؛ ولهذا قال: {والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} وقد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في سورة "براءة"، بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة (3) تقدم في حديث عبد الله بن سلام أن الصحابة، رضي الله عنهم، أرادوا أن يسألوا عن أحب الأعمال إلى الله عز وجل ليفعلوه، فأنزل الله هذه السورة، ومن جملتها هذا الآية: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، والتي هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور فقال: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} أي: من تجارة الدنيا، والكد لها والتصدي لها وحدها. ثم قال: {يغفر لكم ذنوبكم} أي: إن فعلتم ما أمرتكم (4) به ودللتكم عليه، غفرت لكم الزلات، وأدخلتكم الجنات، والمساكن الطيبات، والدرجات العاليات؛ ولهذا قال: {ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} ثم قال: {وأخرى تحبونها} أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها، وهي: {نصر من الله وفتح قريب} أي: إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه، تكفل الله بنصركم. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 7] وقال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 40] وقوله {وفتح قريب} أي: عاجل فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة، لمن أطاع الله ورسوله، ونصر الله ودينه؛ ولهذا قال: {وبشر المؤمنين}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/١١٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله عليه وسلم {بأفواههم} [آل عمران: 167] يعني بقولهم إنه ساحر، وما جاء به سحر {والله متم نوره} [الصف: 8] يقول: الله معلن الحق، ومظهر دينه، وناصر محمدا عليه الصلاة والسلام على من عاداه، فذلك إتمام نوره، وعني بالنور في هذا الموضع الإسلام. وكان ابن زيد يقول: عني به القرآن. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ليطفئوا نور الله بأفواههم} قال: نور القرآن PageEndV22P615 واختلفت القراء في قراءة قوله تعالى: {والله متم نوره} [الصف: 8] فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (متم نوره) بالنصب. وقرأه بعض قراء مكة وعامة قراء الكوفة: {متم} [آل عمران: 157] بغير تنوين {نوره} [الصف: 8] خفضا، وهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٦١٤) ↗