البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الصف · الآية ٩

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى مخبرا عن عناد بني إسرائيل المتقدمين، الذين دعاهم عيسى ابن مريم، وقال لهم: { يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم } أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير وأنهاكم عن الشر، [وأيدني بالبراهين الظاهرة]، ومما يدل على صدقي، كوني { مصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: جئت بما جاء به موسى من التوراة والشرائع السماوية، ولو كنت مدعيا للنبوة، لجئت بغير ما جاءت به المرسلون، ومصدقا لما بين يدي من التوارة أيضا، أنها أخبرت بي وبشرت، فجئت وبعثت مصداقا لها { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي. فعيسى عليه الصلاة والسلام كالأنبياء، يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي { فلما جاءهم } محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى { بالبينات } أي: الأدلة الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول الله [حقا]. { قالوا } معاندين للحق مكذبين له { هذا سحر مبين } وهذا من أعجب العجائب، الرسول الذي [قد] وضحت رسالته، وصارت أبين من شمس النهار، يجعل ساحرا بينا سحره، فهل في الخذلان أعظم من هذا؟ وهل في الافتراء أعظم من هذا الافتراء، الذي نفى عنه ما كان معلوما من رسالته، وأثبت له ما كان أبعد الناس منه؟ { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب } بهذا وغيره، والحال أنه لا عذر له، وقد انقطعت حجته، لأنه { يدعى إلى الإسلام } ويبين له ببراهينه وبيناته، { والله لا يهدي القوم الظالمين } الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردهم عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان ولا برهان، خصوصا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل، ولهذا قال الله عنهم: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم } أي: بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة، التي يردون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب {أن يطفئوا نور الله} (1) أي: ما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل الله به رسوله لا بد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال تعالى مقابلا لهم فيما راموه وأرادوه: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} والكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ومنه سمي الليل "كافرا"؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافرا؛ لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال: {أعجب الكفار نباته} [الحديد: 20] (2) ثم قال تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} فالهدى: هو ما جاء به من الإخبارات الصادقة، والإيمان الصحيح، والعلم النافع -ودين الحق: هي الأعمال [الصالحة] (3) الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة. {ليظهره على الدين كله} أي: على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها" (4) وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن أبي يعقوب: سمعت شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة -أو: قبيصة بن مسعود -يقول: صلى هذا الحي من "محارب" الصبح، فلما صلوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة" (5) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر، عن تميم الداري، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر"، فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

على خلقه، وجميع اللازم لهم، وبدين الحق وهو الإسلام {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] يقول: ليعلي الإسلام على الملل كلها. {ولو كره المشركون} [التوبة: 33] بالله ظهوره عليها. وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {ليظهره على الدين كله} [التوبة: 33] فقال بعضهم: ذلك عند خروج عيسى حين تصير الملل كلها واحدة

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١١/٤٢٢) ↗

التحرير والتنوير

هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9) هذا زيادة تحد للمشركين وأحلافهم من أهل الكتاب فيه تقوية لمضمون قوله: والله متم نوره ولو كره الكافرون [الصف: 8] . وفيه معنى التعليل للجملة التي قبله. فقد أفاد تعريف الجزأين في قوله: هو الذي أرسل رسوله قصرا إضافيا لقلب زعم الكافرين أن محمدا صلى الله عليه وسلم أتى من قبل نفسه، أي الله لا غيره أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق. وأن شيئا تولى الله فعله لا يستطيع أحد أن يزيله. وتعليل ذلك بقوله: ليظهره على الدين كله إعلام بأن الله أراد ظهور هذا الدين وانتشاره كيلا يطمعوا أن يناله ما نال دين عيسى عليه السلام من القمع والخفت في أول أمره واستمر زمانا طويلا حتى تنصر قسطنطين سلطان الروم، فلما أخبر الله بأنه أراد إظهار دين الإسلام على جميع الأديان علم أن أمره لا يزال في ازدياد حتى يتم المراد. والإظهار: النصر ويطلق على التفضيل والإعلاء المعنوي. والتعريف في قوله: على الدين تعريف الجنس المفيد للاستغراق، أي ليعلي هذا الدين الحق على جميع الأديان وينصر أهله على أهل الأديان الأخرى الذين يتعرضون لأهل الإسلام. ويظهر أن لفظ الدين مستعمل في كلا معنييه: المعنى الحقيقي وهو الشريعة. والمعنى المجازي وهو أهل الدين كما تقول: دخلت قرية كذا وأكرمتني، فإظهار الدين على الأديان بكونه أعلى منها تشريعا وآدابا، وأصلح بجميع الناس لا يخص أمة دون أخرى ولا جيلا دون جيل. وإظهار أهله على أهل الأديان بنصر أهله على الذين يشاقونهم في مدة ظهوره حتى يتم أمره ويستغني عمن ينصره. وقد تم وعد الله وظهر هذا الدين وملك أهله أمما كثيرة ثم عرضت عوارض

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١٩٢) ↗