سورة الصف · الآية ٧
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى مخبرا عن عناد بني إسرائيل المتقدمين، الذين دعاهم عيسى ابن مريم، وقال لهم: { يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم } أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير وأنهاكم عن الشر، [وأيدني بالبراهين الظاهرة]، ومما يدل على صدقي، كوني { مصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: جئت بما جاء به موسى من التوراة والشرائع السماوية، ولو كنت مدعيا للنبوة، لجئت بغير ما جاءت به المرسلون، ومصدقا لما بين يدي من التوارة أيضا، أنها أخبرت بي وبشرت، فجئت وبعثت مصداقا لها { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي. فعيسى عليه الصلاة والسلام كالأنبياء، يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي { فلما جاءهم } محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى { بالبينات } أي: الأدلة الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول الله [حقا]. { قالوا } معاندين للحق مكذبين له { هذا سحر مبين } وهذا من أعجب العجائب، الرسول الذي [قد] وضحت رسالته، وصارت أبين من شمس النهار، يجعل ساحرا بينا سحره، فهل في الخذلان أعظم من هذا؟ وهل في الافتراء أعظم من هذا الافتراء، الذي نفى عنه ما كان معلوما من رسالته، وأثبت له ما كان أبعد الناس منه؟ { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب } بهذا وغيره، والحال أنه لا عذر له، وقد انقطعت حجته، لأنه { يدعى إلى الإسلام } ويبين له ببراهينه وبيناته، { والله لا يهدي القوم الظالمين } الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردهم عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان ولا برهان، خصوصا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل، ولهذا قال الله عنهم: { يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم } أي: بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة، التي يردون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أخرى قل لا أشهد} كما قال تعالى: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: 150] ، {قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون} ثم قال مخبرا عن أهل الكتاب: إنهم يعرفون هذا الذي جئتهم (4) به كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين المتقدمين والأنبياء، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد (5) صلى الله عليه وسلم وببعثه (6) وصفته، وبلده ومهاجره، وصفة أمته؛ ولهذا قال بعد هذا: {الذين خسروا أنفسهم} أي: خسروا كل الخسارة، {فهم لا يؤمنون} بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه. ثم قال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} أي: لا أظلم ممن تقول (7) على الله، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته، {إنه لا يفلح الظالمون} أي: لا يفلح هذا ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٢٤٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
له شريكا من خلقه وإلها يعبد من دونه كما قاله المشركون من عبدة الأوثان، أو ادعى له ولدا أو صاحبة كما قالته النصارى {أو كذب بآياته} [الأنعام: 21] يقول: أو كذب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم كذبت بها اليهود. {إنه لا يفلح الظالمون} [الأنعام: 21] يقول: إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل، ولا يدركون البقاء في الجنان، والمفترون عليه الكذب والجاحدون بنبوة أنبيائه.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٨٨) ↗التحرير والتنوير
ضمير النصب إلى الذين خاطبهم عيسى. والتقدير: فكذبوه، فلما جاءهم بالمعجزات قالوا هذا سحر أو هو ساحر. ويحتمل أن يكون ضمير الرفع عائدا إلى رسول يأتي من بعدي. وضمير النصب عائدا إلى لفظ بني إسرائيل، أي بني إسرائيل غير الذين دعاهم عيسى عليه السلام من باب: عندي درهم ونصفه، أي نصف ما يسمى بدرهم، أي فلما جاءهم الرسول الذي دعاه عيسى باسم أحمد بالبينات، أي دلائل انطباق الصفات الموعود بها قالوا هذا سحر أو هذا ساحر مبين فيكون هذا التركيب مبين من قبيل الكلام الموجه. وحصل أذاهم بهذا القول لكلا الرسولين. فالجملة على هذا الاحتمال تحمل على أنها اعتراض بين المتعاطفات وممهدة للتخلص إلى مذمة المشركين وغيرهم ممن لم يقبل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بفتح الياء من قوله: بعدي. وقرأه الباقون بسكونها. قال في «الكشاف» : واختار الخليل وسيبويه الفتح. وقرأ الجمهور هذا سحر بكسر السين. وقرأه حمزة والكسائي وخلف هذا ساحر فعلى الأولى الإشارة للبنات، وعلى الثانية الإشارة إلى عيسى أو إلى الرسول. [7] 7] ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين (7) كانت دعوة النبيء ص مماثلة دعوة عيسى عليه السلام وكان جواب الذين دعاهم إلى الإسلام من أهل الكتابين والمشركين مماثلا لجواب الذين دعاهم عليه السلام. فلما أدمج في حكاية دعوة عيسى بشارته برسول يأتي من بعده ناسب أن ينقل الكلام إلى ما قابل به قوم الرسول الموعود دعوة رسولهم فلذلك ذكر في دعوة هذا الرسول دين الإسلام فوصفوا بأنهم أظلم الناس تشنيعا لحالهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١٨٧) ↗