سورة الممتحنة · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ذكر كثير من المفسرين، [رحمهم الله]، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [شكا و] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب. وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو لله وعدو للمؤمنين. فلا تتخذوا عدو الله { وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالمودة } أي: تسارعون في مودتهم وفي السعي بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان. وهذا المتخذ للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ويحثه عليه؟! ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى. والحال أنهم كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق، يدل على بطلان قول من رده وفساده. ومن عداوتهم البليغة أنهم { يخرجون الرسول وإياكم } أيها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} أي: محبة بعد البغضة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة. {والله قدير} أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة، فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتنا على الأنصار: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} الآية [آل عمران: 103] . وكذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ " (1) . وقال الله تعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} [الأنفال: 62، 63] . وفي الحديث "أحبب حبيبك هونا ما، فعسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ما، فعسى أن يكون حبيبك يوما ما" (2) . وقال الشاعر (3) وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما %~% يظنان كل الظن ألا تلاقيا وقوله تعالى: {والله غفور رحيم} أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه، من أي ذنب كان. وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان، صخر بن حرب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ابنته فكانت هذه مودة ما بينه وبينه. وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر؛ فإن رسول تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سفيان إنما أسلم (4) ليلة الفتح بلا خلاف. وأحسن من هذا ما رواه بن أبي حاتم حيث قال: قرئ على محمد بن عزيز: حدثني سلامة، حدثني عقيل، حدثني ابن شهاب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الخمار …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فصاروا لهم أولياء وأحزابا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٧٠) ↗التحرير والتنوير
ففعل يتول مضارع تولى، فيجوز أن يكون ماضيه بمعنى الإعراض، أي من لا يرجو الله واليوم الآخر ويعرض عن نهي الله فإن الله غني عن امتثاله. ويجوز عندي أن يكون ماضيه من التولي بمعنى اتخاذ الولي، أي من يتخذ عدو الله أولياء فإن الله غني عن ولايته كما في قوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم في سورة العقود [51] . وضمير الفصل في قوله: هو الغني توكيد للحصر الذي أفاده تعريف الجزأين، وهو حصر ادعائي لعدم الاعتداد بغنى غيره ولا بحمده، أي هو الغني عن المتولين لأن النهي عما نهوا عنه إنما هو لفائدتهم لا يفيد الله شيئا فهو الغني عن كل شيء. وإتباع الغني بوصف الحميد تتميم، أي الحميد لمن يمتثل أمره ولا يعرض عنه أو الحميد لمن لا يتخذ عدوه وليا على نحو قوله تعالى: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم [الزمر: 7] . [7] 7] عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) اعتراض وهو استئناف متصل بما قبله من أول السورة خوطب به المؤمنون تسلية لهم على ما نهوا عنه من مواصلة أقربائهم، بأن يرجوا من الله أن يجعل قطيعتهم آئلة إلى مودة بأن يسلم المشركون من قرابة المؤمنين وقد حقق الله ذلك يوم فتح مكة بإسلام أبي سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام. قال ابن عباس: كان من هذه المودة تزوج النبيء صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، تزوجها بعد وفاة زوجها عبد الله بن جحش بأرض الحبشة بعد أن تنصر زوجها فلما تزوجها النبيء صلى الله عليه وسلم لانت عريكة أبي سفيان وصرح بفضل النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: «ذلك الفحل لا يقدع أنفه» (روي بدال بعد القاف يقال: قدع أنفه. إذا ضرب أنفه بالرمح) وهذا تمثيل، كانوا إذا نزا فحل غير كريم على ناقة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١٥٠) ↗