سورة الممتحنة · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ذكر كثير من المفسرين، [رحمهم الله]، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [شكا و] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب. وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو لله وعدو للمؤمنين. فلا تتخذوا عدو الله { وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالمودة } أي: تسارعون في مودتهم وفي السعي بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان. وهذا المتخذ للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ويحثه عليه؟! ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى. والحال أنهم كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق، يدل على بطلان قول من رده وفساده. ومن عداوتهم البليغة أنهم { يخرجون الرسول وإياكم } أيها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة} أي: محبة بعد البغضة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة. {والله قدير} أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة، فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتنا على الأنصار: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} الآية [آل عمران: 103] . وكذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ " (1) . وقال الله تعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} [الأنفال: 62، 63] . وفي الحديث "أحبب حبيبك هونا ما، فعسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ما، فعسى أن يكون حبيبك يوما ما" (2) . وقال الشاعر (3) وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما %~% يظنان كل الظن ألا تلاقيا وقوله تعالى: {والله غفور رحيم} أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه، من أي ذنب كان. وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان، صخر بن حرب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ابنته فكانت هذه مودة ما بينه وبينه. وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر؛ فإن رسول تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سفيان إنما أسلم (4) ليلة الفتح بلا خلاف. وأحسن من هذا ما رواه بن أبي حاتم حيث قال: قرئ على محمد بن عزيز: حدثني سلامة، حدثني عقيل، حدثني ابن شهاب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الخمار …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إليهم} [الممتحنة: 8] يقول: وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم، وبركم بهم. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها: الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا، فأذن الله للمؤمنين ببرهم والإحسان إليهم.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٧١) ↗التحرير والتنوير
كريمة دفعوه عنها بضرب أنفه بالرمح لئلا يكون نتاجها هجينا. وإذا تقدم أن هذه السورة نزلت عام فتح مكة وكان تزوج النبيء صلى الله عليه وسلم أم حبيبة في مدة مهاجرتها بالحبشة وتلك قبل فتح مكة كما صرح به ابن عطية وغيره. يعني فتكون آية عسى الله أن يجعل بينكم إلخ نزلت قبل نزول أول السورة ثم ألحقت بالسورة. وإما أن يكون كلام ابن عباس على وجه المثال لحصول المودة مع بعض المشركين، وحصول مثل تلك المودة يهييء صاحبه إلى الإسلام واستبعد ابن عطية صحة ما روي عن ابن عباس. وعسى فعل مقاربة وهو مستعمل هنا في رجاء المسلمين ذلك من الله أو مستعملة في الوعد مجردة عن الرجاء. قال في «الكشاف» : كما يقول الملك في بعض الحوائج عسى أو لعل فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك. وضمير منهم عائد إلى العدو من قوله: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء [الممتحنة: 1] . وجملة والله قدير تذييل. والمعنى: أنه شديد القدرة على أن يغير الأحوال فيصير المشركون مؤمنين صادقين وتصيرون أوداء لهم. وعطف على التذييل جملة والله غفور رحيم، أي يغفر لمن أنابوا إليه ويرحمهم فلا عجب أن يصيروا أوداء لكم كما تصيرون أوداء لهم. [8] 8] لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) استئناف هو منطوق لمفهوم الأوصاف التي وصف بها العدو في قوله تعالى: وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم [الممتحنة: 1] وقوله: إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء [الممتحنة: 2] ، المسوقة مساق التعليل للنهي عن اتخاذ عدو الله أولياء، استثنى الله أقواما من المشركين غير مضمرين العداوة للمسلمين وكان دينهم شديد المنافرة مع دين الإسلام.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١٥١) ↗