البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الممتحنة · الآية ٦

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

ذكر كثير من المفسرين، [رحمهم الله]، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [شكا و] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب. وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو لله وعدو للمؤمنين. فلا تتخذوا عدو الله { وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالمودة } أي: تسارعون في مودتهم وفي السعي بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان. وهذا المتخذ للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ويحثه عليه؟! ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى. والحال أنهم كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق، يدل على بطلان قول من رده وفساده. ومن عداوتهم البليغة أنهم { يخرجون الرسول وإياكم } أيها …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ليس لكم في ذلك أسوة، أي: في الاستغفار للمشركين، هكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والضحاك وغير واحد. ثم قال تعالى مخبرا عن قول إبراهيم والذين معه، حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم، فلجئوا إلى الله وتضرعوا (1) إليه فقالوا: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} أي: توكلنا عليك في جميع الأمور، وسلمنا أمورنا إليك، وفوضناها إليك {وإليك المصير} أي: المعاد في الدار الآخرة. {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} قال مجاهد: معناه: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه. واختاره ابن جرير (2) . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وقوله: {واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم} أي: واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك، {إنك أنت العزيز الحكيم} أي: الذي لا يضام من لاذ بجناحك (3) {الحكيم} في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك. ثم قال تعالى: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضا لأن هذه الأسوة المثبتة (4) هاهنا هي الأولى بعينها. وقوله: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} تهييج إلى ذلك كل مقر (5) بالله والمعاد. وقوله: {ومن يتول} أي: عما أمر الله به، {فإن الله هو الغني الحميد} كقوله {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} [إبراهيم: 8] . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {الغني} الذي [قد] (6) كمل في غناه، وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار. {الحميد} المستحمد إلى خلقه، أي: هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إله غيره، ولا رب سواه.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٨٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٦٨) ↗

التحرير والتنوير

يستطيعه أمثالهم من درجات تغيير المنكر وهو التغيير باللسان إذ ليسوا بمستطيعين تغيير ما عليه قومهم باليد لقلتهم وضعفهم بين قومهم. والعداوة المعاملة بالسوء والاعتداء. والبغضاء: نفرة النفس، والكراهية وقد تطلق إحداهما في موضع الأخرى إذا افترقتا، فذكرهما معا هنا مقصود به حصول الحالتين في أنفسهم: حالة المعاملة بالعدوان، وحالة النفرة والكراهية، أي نسيء معاملتكم ونضمر لكم الكراهية حتى تؤمنوا بالله وحده دون إشراك. والمراد بقولهم هذا لقومهم أنهم قالوه مقال الصادق في قوله، فالائتساء بهم في ذلك القول والعمل بما يترجم عليه القول مما في النفوس، فالمؤتسى به أنهم كاشفوا قومهم بالمنافرة، وصرحوا لهم بالبغضاء لأجل كفرهم بالله ولم يصانعوهم ويغضوا عن كفرهم لاكتساب مودتهم كما فعل الموبخ بهذه الآية. إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء. الأظهر أن هذه الجملة معترضة بين جمل حكاية مقال إبراهيم والذين معه وجملة لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة [الممتحنة: 6] ، والاستثناء منقطع إذ ليس هذا القول من جنس قولهم: إنا برآؤا منكم إلخ، فإن قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك رفق بأبيه وهو يغاير التبرؤ منه، فكان الاستثناء في معنى الاستدراك عن قوله: إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا منكم الشامل لمقالة إبراهيم معهم لاختلاف جنسي القولين. قال في «الكشاف» في قوله تعالى: قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط في سورة الحجر (1) [58، 59] . أنه استثناء منقطع من قوم لأن القوم موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان اه. فجعل اختلاف جنسي المستثنى والمستثنى منه موجبا اعتبار الاستثناء منقطعا. وفائدة الاستدراك هنا التعريض بخطأ حاطب ابن أبي بلتعة، أي إن كنتم معتذرين فليكن عذركم في مواصلة أعداء الله بأن تودوا لهم مغفرة كفرهم باستدعاء سبب المغفرة وهو أن يهديهم الله إلى

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١٤٥) ↗