سورة الممتحنة · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ذكر كثير من المفسرين، [رحمهم الله]، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [شكا و] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب. وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو لله وعدو للمؤمنين. فلا تتخذوا عدو الله { وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالمودة } أي: تسارعون في مودتهم وفي السعي بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان. وهذا المتخذ للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ويحثه عليه؟! ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى. والحال أنهم كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق، يدل على بطلان قول من رده وفساده. ومن عداوتهم البليغة أنهم { يخرجون الرسول وإياكم } أيها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ليس لكم في ذلك أسوة، أي: في الاستغفار للمشركين، هكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والضحاك وغير واحد. ثم قال تعالى مخبرا عن قول إبراهيم والذين معه، حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم، فلجئوا إلى الله وتضرعوا (1) إليه فقالوا: {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير} أي: توكلنا عليك في جميع الأمور، وسلمنا أمورنا إليك، وفوضناها إليك {وإليك المصير} أي: المعاد في الدار الآخرة. {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} قال مجاهد: معناه: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك، يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه. واختاره ابن جرير (2) . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وقوله: {واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم} أي: واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك، {إنك أنت العزيز الحكيم} أي: الذي لا يضام من لاذ بجناحك (3) {الحكيم} في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك. ثم قال تعالى: {لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضا لأن هذه الأسوة المثبتة (4) هاهنا هي الأولى بعينها. وقوله: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} تهييج إلى ذلك كل مقر (5) بالله والمعاد. وقوله: {ومن يتول} أي: عما أمر الله به، {فإن الله هو الغني الحميد} كقوله {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} [إبراهيم: 8] . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {الغني} الذي [قد] (6) كمل في غناه، وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار. {الحميد} المستحمد إلى خلقه، أي: هو المحمود في جميع أفعاله وأقواله، لا إله غيره، ولا رب سواه.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٨/٨٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٦٨) ↗التحرير والتنوير
الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [الشعراء: 78- 82] . فإن التوكل على الله في أمور الحياة بسؤاله النجاح في ما يصلح أعمال العبد في مساعيه وأعظمه النجاح في دينه وما فيه قوام عيشه ثم ما فيه دفع الضر. وقد جمعها قول إبراهيم هناك فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين. وهذا جمعه قوله هنا عليك توكلنا والذي يميتني ثم يحيين جمعه قوله: وإليك المصير فإن المصير مصيران مصير بعد الحياة ومصير بعد البعث. وقوله: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي فإن وسيلة الطمع هي التوبة وقد تضمنها قوله: وإليك أنبنا. وعلى المعنى الثاني هو تعليم للمؤمنين أن يصرفوا توجههم إلى الله بإرضائه ولا يلتفتوا إلى ما لا يرضاه وإن حسبوا أنهم ينتفعون به فإن رضى الله مقدم على ما دونه. والقول في معنى التوكل تقدم عند قوله تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله في سورة آل عمران [159] . والإنابة: التوبة، وتقدمت عند قوله تعالى: إن إبراهيم لحليم أواه منيب في سورة هود [75] ، وعند قوله: منيبين إليه في سورة الروم [31] . وتقديم المجرور على هذه الأفعال لإفادة القصر، وهو قصر بعضه ادعائي وبعضه حقيقي كما تصرف إليه القرينة. وإعادة النداء بقولهم: ربنا إظهار للتضرع مع كل دعوة من الدعوات الثلاث. [5] 5] ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (5) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا. الفتنة: اضطراب الحال وفساده، وهي اسم مصدر فتجيء بمعنى المصدر كقوله تعالى: والفتنة أشد من القتل، [البقرة: 191] وتجيء وصفا للمفتون والفاتن.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١٤٧) ↗