سورة الأنعام · الآية ٨٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر الله تعالى عبده وخليله إبراهيم عليه السلام، وذكر ما من الله عليه به من العلم والدعوة والصبر، ذكر ما أكرمه الله به من الذرية الصالحة، والنسل الطيب. وأن الله جعل صفوة الخلق من نسله، وأعظم بهذه المنقبة والكرامة الجسيمة، التي لا يدرك لها نظير فقال: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } ابنه، الذي هو إسرائيل، أبو الشعب الذي فضله الله على العالمين. { كلا } منهما { هدينا } الصراط المستقيم في علمه وعمله. { ونوحا هدينا من قبل } وهدايته من أنواع الهدايات الخاصة التي لم تحصل إلا لأفراد من العالم وهم أولو العزم من الرسل، الذي هو أحدهم. { ومن ذريته } يحتمل أن الضمير عائد إلى نوح، لأنه أقرب مذكور، ولأن الله ذكر مع من ذكر لوطا، وهو من ذرية نوح، لا من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه. ويحتمل أن الضمير يعود إلى إبراهيم، لأن السياق في مدحه والثناء عليه، ولوط - وإن لم يكن من ذريته - فإنه ممن آمن على يده، فكان منقبة الخليل وفضيلته بذلك، أبلغ من كونه مجرد ابن له. { داوود وسليمان } بن داود { وأيوب ويوسف } بن يعقوب. { وموسى وهارون } ابني عمران، { وكذلك } كما أصلحنا ذرية إبراهيم الخليل، لأنه أحسن في عبادة ربه، وأحسن في نفع الخلق { نجزي المحسنين } بأن نجعل لهم من الثناء الصدق، والذرية الصالحة بحسب إحسانهم. { وزكريا ويحيى } ابنه { وعيسى } ابن مريم. { وإلياس كل } من هؤلاء { من الصالحين } في أخلاقهم وأعمالهم وعلومهم، بل هم سادة الصالحين وقادتهم وأئمتهم. { وإسماعيل } بن إبراهيم أبو الشعب الذي هو أفضل الشعوب، وهو الشعب العربي، ووالد سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم { ويونس } بن متى { ولوطا } بن هاران، أخي إبراهيم. { وكلا } من هؤلاء الأنبياء والمرسلين { فضلنا على العالمين } لأن درجات الفضائل أربع - وهي التي ذكرها الله بقوله: ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق، بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته "سارة" من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: {قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} [هود: 72، 73] ، وبشروه (1) مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلا وعقبا، كما قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} [الصافات: 112] ، وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71] أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم "يعقوب"، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم، عليه السلام، حين اعتزل قومه وتركهم، ونزح عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله، عز وجل، عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر بهم عينه، كما قال [تعالى] (2) {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا} [مريم: 49] ، وقال هاهنا: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا} وقوله: {ونوحا هدينا من قبل} أي: من قبله، هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح، عليه السلام، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به -وهم الذين صحبوه في السفينة -جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح، وكذلك الخليل إبراهيم، عليه السلام، لم يبعث الله، عز وجل، بعده نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} الآية [العنكبوت: 27] ، وقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربهم وشرف الدنيا وكرامة الآخرة، هو هدى الله، يقول: هو توفيق الله ولطفه، الذي يوفق به من يشاء ويلطف به لمن أحب من خلقه، حتى ينيب إلى طاعة الله وإخلاص العمل له وإقراره بالتوحيد ورفض الأوثان والأصنام
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٣٨٦) ↗التحرير والتنوير
(87) جملة ووهبنا عطف على جملة آتيناها [الأنعام: 83] لأن مضمونها تكرمة وتفضيل. وموقع هذه الجملة وإن كانت معطوفة هو موقع التذييل للجمل المقصود منها إبطال الشرك وإقامة الحجج على فساده وعلى أن الصالحين كلهم كانوا على خلافه. والوهب والهبة: إعطاء شيء بلا عوض، وهو هنا مجاز في التفضل والتيسير. ومعنى هبة يعقوب لإبراهيم أنه ولد لابنه إسحاق في حياة إبراهيم وكبر وتزوج في حياته فكان قرة عين لإبراهيم. وقد مضت ترجمة إبراهيم- عليه السلام- عند قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات [البقرة: 124] . وترجمة إسحاق، ويعقوب، عند قوله تعالى: ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب [البقرة: 132] وقوله: وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] كل ذلك في سورة البقرة. وقوله: كلا هدينا اعتراض، أي كل هؤلاء هديناهم يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فحذف المضاف إليه لظهوره وعوض عنه التنوين في «كل» تنوين عوض عن المضاف إليه كما هو المختار. وفائدة ذكر هديهما التنويه بإسحاق ويعقوب، وأنهما نبيئان نالا هدى الله كهديه إبراهيم، وفيه أيضا إبطال للشرك، ودمغ، لقريش ومشركي العرب، وتسفيه لهم بإثبات أن الصالحين المشهورين كانوا على ضد معتقدهم كما سيصرح به في قوله: ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون [الأعراف: 88] . وجملة: ونوحا هدينا من قبل عطف على الاعتراض، أي وهدينا نوحا من قبلهم. وهذا استطراد بذكر بعض من أنعم الله عليهم بالهدى، وإشارة إلى أن الهدى هو الأصل، ومن أعظم الهدى التوحيد كما علمت.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٣٣٧) ↗