سورة الأنعام · الآية ٥٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } فهم متيقنون للانتقال من هذه الدار إلى دار القرار، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. { ليس لهم من دونه } أي: لا من دون الله { ولي ولا شفيع } أي: من يتولى أمرهم فيحصل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم، لأن الخلق كلهم ليس لهم من الأمر شيء. { لعلهم يتقون } الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه. { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أي: لا تطرد عنك وعن مجالستك أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء. { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } أي: كل له حسابه، وله عمله الحسن وعمله القبيح. { فتطردهم فتكون من الظالمين } وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبر نفسه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم. وكان سبب نزول هذه الآيات، أن أناسا [من قريش، أو] من أجلاف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها. { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } أي: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد {الذين هم من خشية ربهم مشفقون} [المؤمنون: 57] والذين {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21] . {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي: يوم القيامة. {ليس لهم} أي: يومئذ {من دونه ولي ولا شفيع} أي: لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم، {لعلهم يتقون} أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله، عز وجل {لعلهم يتقون} فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه. وقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفة عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كما قال: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] . وقوله {يدعون ربهم} أي: يعبدونه ويسألونه {بالغداة والعشي} قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن، وقتادة: المراد بذلك الصلوات المكتوبات. وهذا كقوله [تعالى] (3) {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] أي: أتقبل منكم. وقوله: {يريدون وجهه} أي: يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات. وقوله: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} كما قال نوح، عليه السلام، في جواب الذين قالوا: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [قال] (4) {وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} [الشعراء: 112، 113] ، أي: إنما حسابهم على الله، عز وجل، وليس علي من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء. وقوله: {فتطردهم فتكون من الظالمين} أي: إن فعلت هذا والحالة هذه. قال الإمام أحمد: حدثنا أسباط -هو ابن محمد -حدثنا أشعث، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٥٨) ↗التحرير والتنوير
… البداء هو ظهور أمر في أنفسهم كانوا يخفونه في الدنيا، أي خطر لهم حينئذ ذلك الخاطر الذي كانوا يخفونه، أي الذي كان يبدو لهم، أي يخطر ببالهم وقوعه فلا يعلنون به فبدا لهم الآن فأعلنوا به وصرحوا معترفين به. ففي الكلام احتباك، وتقديره: بل بدا لهم ما كان يبدو لهم في الدنيا فأظهروه الآن وكانوا يخفونه. وذلك أنهم كانوا يخطر لهم الإيمان لما يرون من دلائله أو من نصر المؤمنين فيصدهم عنه العناد والحرص على استبقاء السيادة والأنفة من الاعتراف بفضل الرسول وبسبق المؤمنين إلى الخيرات قبلهم، وفيهم ضعفاء القوم وعبيدهم، كما ذكرناه عند قوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي في هذه السورة [52] ، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٨٥) ↗