البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ٥٣

﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } فهم متيقنون للانتقال من هذه الدار إلى دار القرار، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. { ليس لهم من دونه } أي: لا من دون الله { ولي ولا شفيع } أي: من يتولى أمرهم فيحصل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم، لأن الخلق كلهم ليس لهم من الأمر شيء. { لعلهم يتقون } الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه. { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } أي: لا تطرد عنك وعن مجالستك أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء. { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } أي: كل له حسابه، وله عمله الحسن وعمله القبيح. { فتطردهم فتكون من الظالمين } وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبر نفسه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم. وكان سبب نزول هذه الآيات، أن أناسا [من قريش، أو] من أجلاف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها. { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ } أي: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

البشر، يوحي إلي من الله، عز وجل، شرفني بذلك، وأنعم علي به؛ ولهذا قال: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه. {قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه ولم ينقد له؟ {أفلا تتفكرون} وهذه (1) كقوله (2) تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} [الرعد: 19] . وقوله: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد {الذين هم من خشية ربهم مشفقون} [المؤمنون: 57] والذين {ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} [الرعد: 21] . {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي: يوم القيامة. {ليس لهم} أي: يومئذ {من دونه ولي ولا شفيع} أي: لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم، {لعلهم يتقون} أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله، عز وجل {لعلهم يتقون} فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه. وقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفة عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كما قال: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] . وقوله {يدعون ربهم} أي: يعبدونه ويسألونه {بالغداة والعشي} قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن، وقتادة: المراد بذلك الصلوات المكتوبات. وهذا كقوله [تعالى] (3) {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] أي: أتقبل منكم. وقوله: {يريدون وجهه} أي: يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات. وقوله: {ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} كما قال نوح، عليه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٧٠) ↗

التحرير والتنوير

لإفادة تأكيد ذلك النهي وليبنى عليه قوله فتكون من الظالمين لوقوع طول الفصل بين التفريع والمفرع عليه. فحصل بإعادة فعل فتطردهم غرضان لفظي ومعنوي. على أنه يجوز أن يجعل فتطردهم منصوبا في جواب النفي من قوله: ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء، أي لا تطردهم إجابة لرغبة أعدائهم. وقوله: فتكون من الظالمين عطف على فتطردهم متفرع عليه، أي فتكون من الظالمين بطردهم، أي فكونه من الظالمين منتف تبعا لانتفاء سببه وهو الطرد. وإنما جعل طردهم ظلما لأنه لما انتفى تكليفه بأن يحاسبهم صار طردهم لأجل إرضاء غيرهم ظلما لهم. وفيه تعريض بالذين سألوا طردهم لإرضاء كبريائهم بأنهم ظالمون مفطرون على الظلم ويجوز أن يجعل قوله: فتكون من الظالمين منصوبا في جواب النهي، ويجعل قوله فتطردهم جيء به على هذا الأسلوب لتجديد ربط الكلام لطول الفصل بين النهي وجوابه بالظرف والحال والتعليل فكان قوله فتطردهم كالمقدمة لقوله فتكون من الظالمين وليس مقصود بالذات للجوابية فالتقدير: فتكون من الظالمين بطردهم. [53] 53] وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) الواو استئنافية كما هي في نظائره. والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن السامع لما شعر بقصة أومأ إليها قوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم [الأنعام: 52] الآية يأخذه العجب من كبرياء عظماء أهل الشرك وكيف يرضون البقاء في ضلالة تكبرا عن غشيان مجلس فيه ضعفاء الناس من الصالحين، فأجيب بأن هذا الخلق العجيب فتنة لهم خلقها الله في نفوسهم بسوء خلقهم. وقعت هذه الجملة اعتراضا بين الجملتين المتعاطفتين تعجيلا للبيان، وقرنت بالواو للتنبيه على الاعتراض، وهي الواو الاعتراضية، وتسمى الاستئنافية فبين الله أن داعيهم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٥٢) ↗