البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ٤

﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا إخبار منه تعالى عن إعراض المشركين، وشدة تكذيبهم وعداوتهم، وأنهم لا تنفع فيهم الآيات حتى تحل بهم المثلات، فقال: { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } الدالة على الحق دلالة قاطعة، الداعية لهم إلى اتباعه وقبوله { إلا كانوا عنها معرضين } لا يلقون لها بالا، ولا يصغون لها سمعا، قد انصرفت قلوبهم إلى غيرها، وولوها أدبارهم. { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } والحق حقه أن يتبع، ويشكر الله على تيسيره لهم، وإتيانهم به، فقابلوه بضد ما يجب مقابلته به فاستحقوا العقاب الشديد { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون } أي: فسوف يرون ما استهزؤوا به، أنه الحق والصدق، ويبين الله للمكذبين كذبهم وافتراءهم، وكانوا يستهزؤون بالبعث والجنة والنار، فإذا كان يوم القيامة قيل للمكذبين: هذه النار التي كنتم بها تكذبون [الطور: 14]. وقال تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين [النحل: 38-39] ثم أمرهم أن يعتبروا بالأمم السالفة فقال: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } أي كم تتابع إهلاكنا للأمم المكذبين، وأمهلناهم قبل ذلك الإهلاك، بأن { مكنهم في الأرض ما لم نمكن } لهؤلاء من الأموال والبنين والرفاهية. { وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } فينبت لهم بذلك ما شاء الله من زروع وثمار، يتمتعون بها، ويتناولون منها ما يشتهون، فلم يشكروا الله على نعمه، بل أقبلوا على الشهوات، وألهتهم أنواع اللذات، فجاءتهم رسلهم بالبينات فلم يصدقوها، بل ردوها وكذبوها فأهلكهم الله بذنوبهم وأنشأ { من بعدهم قرنا آخرين }. فهذه سنة الله ودأبه في الأمم السابقين واللاحقين، فاعتبروا بمن قص الله عليكم نبأهم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٤–٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

مدرارا} أي: شيئا بعد شيء، {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي: أكثرنا (1) عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجا وإملاء لهم {فأهلكناهم بذنوبهم} أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها، {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث، {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} أي: جيلا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم (2) فهلكوا كهلاكهم. فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم [مثل] (3) ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه. يقول تعالى مخبرا عن كفر المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهتتهم ومنازعتهم فيه: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم} أي: عاينوه، ورأوا نزوله، وباشروا ذلك {لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 14، 15] وقال تعالى: {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم} [الطور: 44] . {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} [أي: فيكون معه نذيرا] (1) قال الله: {ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون} أي: لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب، كما قال تعالى: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} [الحجر: 8] ، [و] (2) قال تعالى: {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [ويقولون حجرا محجورا] (3) } [الفرقان: 22] . وقوله: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا، أي: لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا (4) لكان على هيئة رجل لتفهم (5) مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما يلبسون (6) على أنفسهم في قبول رسالة …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٥٥) ↗

التحرير والتنوير

في الحمد لله [الأنعام: 1] من معنى الانفراد بالإلهية، كما يقول من يذكر جوادا ثم يقول: هو حاتم في العرب، وهذا لقصد التنصيص على أنه لا يشاركه أحد في صفاته في الكائنات كلها. وقوله: يعلم سركم وجهركم جملة مقررة لمعنى جملة وهو الله ولذلك فصلت، لأنها تتنزل منا منزلة التوكي لأن انفراده بالإلهية في السماوات وفي الأرض مما يقتضي علمه بأحوال بعض الموجودات الأرضية. ولا يجوز تعليق في السماوات وفي الأرض بالفعل في قوله: يعلم سركم لأن سر الناس وجهرهم وكسبهم حاصل في الأرض خاصة دون السماوات، فمن قدر ذلك فقد أخطأ خطأ خفيا. وذكر السر لأن علم السر دليل عموم العلم، وذكر الجهر لاستيعاب نوعي الأقوال. والمراد ب تكسبون جميع الاعتقادات والأعمال من خير وشر فهو تعريض بالوعد والوعيد. والخطاب لجميع السامعين فدخل فيه الكافرون، وهم المقصود الأول من هذا الخطاب، لأنه تعليم وإيقاظ بالنسبة إليهم وتذكير بالنسبة إلى المؤمنين. [4] 4] وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) هذا انتقال إلى كفران المشركين في تكذيبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أقيمت عليهم الحجة ببطلان كفرهم في أمر الشرك بالله في الإلهية، وقد عطف لأن الأمرين من أحوال كفرهم ولأن الذي حملهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم هو دعوته إياهم إلى التوحيد، فمن أجله نشأ النزاع بينهم وبينه فكذبوه وسألوه الآيات على صدقه. وضمائر جمع الغائبين مراد منها المشركون الذين هم بعض من شملته ضمائر الخطاب في الآية التي قبلها، ففي العدول عن الخطاب إلى الغيبة بالنسبة إليهم التفات أوجبه تشهيرهم بهذا الحال الذميم، تنصيصا على ذلك، وإعراضا عن خطابهم،

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٣٣) ↗