البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ٥

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا إخبار منه تعالى عن إعراض المشركين، وشدة تكذيبهم وعداوتهم، وأنهم لا تنفع فيهم الآيات حتى تحل بهم المثلات، فقال: { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } الدالة على الحق دلالة قاطعة، الداعية لهم إلى اتباعه وقبوله { إلا كانوا عنها معرضين } لا يلقون لها بالا، ولا يصغون لها سمعا، قد انصرفت قلوبهم إلى غيرها، وولوها أدبارهم. { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } والحق حقه أن يتبع، ويشكر الله على تيسيره لهم، وإتيانهم به، فقابلوه بضد ما يجب مقابلته به فاستحقوا العقاب الشديد { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون } أي: فسوف يرون ما استهزؤوا به، أنه الحق والصدق، ويبين الله للمكذبين كذبهم وافتراءهم، وكانوا يستهزؤون بالبعث والجنة والنار، فإذا كان يوم القيامة قيل للمكذبين: هذه النار التي كنتم بها تكذبون [الطور: 14]. وقال تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين [النحل: 38-39] ثم أمرهم أن يعتبروا بالأمم السالفة فقال: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } أي كم تتابع إهلاكنا للأمم المكذبين، وأمهلناهم قبل ذلك الإهلاك، بأن { مكنهم في الأرض ما لم نمكن } لهؤلاء من الأموال والبنين والرفاهية. { وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } فينبت لهم بذلك ما شاء الله من زروع وثمار، يتمتعون بها، ويتناولون منها ما يشتهون، فلم يشكروا الله على نعمه، بل أقبلوا على الشهوات، وألهتهم أنواع اللذات، فجاءتهم رسلهم بالبينات فلم يصدقوها، بل ردوها وكذبوها فأهلكهم الله بذنوبهم وأنشأ { من بعدهم قرنا آخرين }. فهذه سنة الله ودأبه في الأمم السابقين واللاحقين، فاعتبروا بمن قص الله عليكم نبأهم.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٤–٦) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

مدرارا} أي: شيئا بعد شيء، {وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي: أكثرنا (1) عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجا وإملاء لهم {فأهلكناهم بذنوبهم} أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها، {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث، {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين} أي: جيلا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم (2) فهلكوا كهلاكهم. فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم [مثل] (3) ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه. يقول تعالى مخبرا عن كفر المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهتتهم ومنازعتهم فيه: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم} أي: عاينوه، ورأوا نزوله، وباشروا ذلك {لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} [الحجر: 14، 15] وقال تعالى: {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم} [الطور: 44] . {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} [أي: فيكون معه نذيرا] (1) قال الله: {ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون} أي: لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب، كما قال تعالى: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين} [الحجر: 8] ، [و] (2) قال تعالى: {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين [ويقولون حجرا محجورا] (3) } [الفرقان: 22] . وقوله: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي: ولو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا، أي: لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيا (4) لكان على هيئة رجل لتفهم (5) مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما يلبسون (6) على أنفسهم في قبول رسالة …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

على تكذيبهم إياه وجحودهم نبوته: سوف يأتي المكذبين بك يا محمد من قومك وغيرهم {أنباء ما كانوا به يستهزئون} [الشعراء: 6] يقول: سوف يأتيهم أخبار استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من آياتي وأدلتي التي آتيتهم. ثم وفى لهم بوعيده لما تمادوا في غيهم وعتوا على ربهم، فقتلهم يوم بدر بالسيف.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٥٦) ↗

التحرير والتنوير

وإنما ينشأ الإعراض عن اعتقاد عدم جدوى النظر والتأمل، فهو دليل على أن المعرض مكذب للمخبر المعرض عن سماعه. وأصل الإعراض صرف الوجه عن النظر في الشيء وهو هنا مجاز في إباء المعرفة، فيشمل المعنى الحقيقي بالنسبة إلى الآيات المبصرات كانشقاق القمر، ويشمل ترك الاستماع للقرآن، ويشمل المكابرة عن الاعتراف بإعجازه وكونه حقا بالنسبة للذين يستمعون القرآن ويكابرونه، كما يجيء في قوله: ومنهم من يستمع إليك. وتقديم المجرور للرعاية على الفاصلة. [5] 5] فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) الفاء فصيحة على الأظهر أفصحت عن كلام مقدر نشأ عن قوله: إلا كانوا عنها معرضين، أي إذا تقرر هذا الإعراض ثبت أنهم كذبوا بالحق لما جاءهم من عند الله، فإن الإعراض علامة على التكذيب، كما قدمته آنفا، فما بعد فاء الفصيحة هو الجزاء. ومعناه أن من المعلوم سوء عواقب الذين كذبوا بالحق الآتي من عند الله فلما تقرر في الآية السابقة أنهم أعرضوا آيات الله فقد ثبت أنهم كذبوا بالحق الوارد من الله، ولذلك فرع عليه قوله: فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن تأكيدا لوعد المؤمنين بالنصر وإظهار الإسلام على الدين كل وإنذار للمشركين بأن سيحل بهم ما حل بالأمم الذين كذبوا رسلهم ممن عرفوا مثل عاد وثمود وأصحاب الرس. وبهذا التقدير لم تكن حاجة إلى جعل الفاء تفريعا محضا وجعل ما بعدها علة لجزاء محذوف مدلول عليه بعلته كما هو ظاهر «الكشاف» ، وهي مضمون فقد كذبوا بأن يقدر: فلا تعجب فقد كذبوا بالقرآن، لأن من قدر ذلك أوهمه أن تكذيبهم المراد هو تكذيبهم بالآيات التي أعرضوا عنها ما عدا آية القرآن. وهذا تخصيص لعموم قوله: من آية بلا مخصص، فإن القرآن من جملة الآيات بل هو المقصود أولا، وقد علمت أن فقد كذبوا هو الجزاء وأن له موقعا عظيما من بلاغة الإيجاز، على أن ذلك التقدير يقتضي

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/١٣٥) ↗