سورة الأنعام · الآية ٣٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قد نعلم أن الذي يقول المكذبون فيك يحزنك ويسؤك، ولم نأمرك بما أمرناك به من الصبر إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية. فلا تظن أن قولهم صادر عن اشتباه في أمرك وشك فيك { فإنهم لا يكذبونك } لأنهم يعرفون صدقك ومدخلك ومخرجك، وجميع أحوالك، حتى إنهم كانوا يسمونه قبل البعثة الأمين. { ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون } أي: فإن تكذيبهم لآيات الله التي جعلها الله على يديك. { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا } فاصبر كما صبروا، تظفر كما ظفروا { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } ما به يثبت فؤادك، ويطمئن به قلبك. { وإن كان كبر عليك إعراضهم } أي: شق عليك من حرصك عليهم ومحبتك لإيمانهم، فابذل وسعك في ذلك، فليس في مقدورك أن تهدي من لم يرد الله هدايته. { فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية } أي: فافعل ذلك، فإنه لا يفيدهم شيئا، وهذا قطع لطمعه في هدايته أشباه هؤلاء المعاندين. { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } ولكن حكمته تعالى اقتضت أنهم يبقون على الضلال. { فلا تكونن من الجهلين } الذين لا يعرفون حقائق الأمور، ولا ينزلونها على منازلها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٣٣–٣٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نفس الأمر {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي: ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم، كما قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي [رضي الله عنه] (1) قال قال: أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} (2) ورواه الحاكم، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (3) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة، حدثنا بشر بن المبشر الواسطي، عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فصافحه، قال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الصابئ؟ ! فقال: والله إني أعلم (4) إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟ ! وتلا أبو يزيد: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} قال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون. وذكر محمد بن إسحاق، عن الزهري، في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، هو وأبو سفيان صخر بن حرب، والأخنس بن شريق، ولا يشعر واحد منهم بالآخر. فاستمعوها إلى الصباح، فلما هجم الصبح تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال كل منهم للآخر: ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء له (5) ثم تعاهدوا ألا يعودوا، لما يخافون من علم شباب قريش بهم، لئلا يفتتنوا (6) بمجيئهم فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنا أن صاحبيه لا يجيئان، لما تقدم من العهود، فلما أجمعوا (7) جمعتهم الطريق، فتلاوموا، ثم تعاهدوا ألا يعودوا. فلما كانت الليلة الثالثة جاؤوا أيضا، فلما أصبحوا تعاهدوا ألا يعودوا لمثلها [ثم تفرقوا] (8) فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني (9) يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تصديقك فيما جئتهم به من الحق الذي بعثتك به، فشق ذلك عليك ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض} [الأنعام: 35] يقول: فإن استطعت أن تتخذ سربا في الأرض، مثل نافقاء اليربوع، وهي أحد جحرته، فتذهب فيه {أو سلما في السماء} [الأنعام: 35] يقول: أو مصعدا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٢٥) ↗التحرير والتنوير
وهو كلام جامع لتفاصيل ما حل بالمكذبين، وبكيف كان نصر الله رسله. وذلك في تضاعيف ما نزل من القرآن في ذلك. والقول في جاءك كالقول في أتاهم نصرنا، فهو مجاز في بلوغ ذلك وإعلام النبيء صلى الله عليه وسلم به. و (من) في قوله: من نبإ إما اسم بمعنى (بعض) فتكون فاعلا مضافة إلى النبأ، وهو ناظر إلى قوله تعالى: منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك [غافر: 78] . والأحسن أن تجعل صفة لموصوف محذوف تقديره: لقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين. والنبأ الخبر عن أمر عظيم، قال تعالى: عم يتساءلون عن النبإ العظيم [النبأ: 1، 2] ، وقال: قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون [ص: 67، 68] ، وقال في هذه السورة [67] لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون. [35] 35] وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) عطف على جملة: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون [الأنعام: 33] ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحزنه ما يقولونه فيه من التكذيب به وبالقرآن حزنا على جهل قومه بقدر النصيحة وإنكارهم فضيلة صاحبها، وحزنا من جراء الأسف عليهم من دوام ضلالهم شفقة عليهم، وقد سلاه الله تعالى عن الحزن الأول بقوله فإنهم لا يكذبونك [الأنعام: 33] وسلاه عن الثاني بقوله: وإن كان كبر عليك إعراضهم الآية. وكبر ككرم، كبرا كعنب: عظمت جثته. ومعنى كبر هنا شق عليك. وأصله عظم الجثة، ثم استعمل مجازا في الأمور العظيمة الثقيلة لأن عظم الجثة يستلزم الثقل، ثم استعمل مجازا في معنى (شق) لأن الثقيل يشق جمله. فهو مجاز مرسل بلزومين. وجيء في هذا الشرط بحرف (إن) الذي يكثر وروده في الشرط الذي لا يظن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٠٣) ↗