البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ٣٤

﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: قد نعلم أن الذي يقول المكذبون فيك يحزنك ويسؤك، ولم نأمرك بما أمرناك به من الصبر إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية. فلا تظن أن قولهم صادر عن اشتباه في أمرك وشك فيك { فإنهم لا يكذبونك } لأنهم يعرفون صدقك ومدخلك ومخرجك، وجميع أحوالك، حتى إنهم كانوا يسمونه قبل البعثة الأمين. { ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون } أي: فإن تكذيبهم لآيات الله التي جعلها الله على يديك. { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا } فاصبر كما صبروا، تظفر كما ظفروا { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } ما به يثبت فؤادك، ويطمئن به قلبك. { وإن كان كبر عليك إعراضهم } أي: شق عليك من حرصك عليهم ومحبتك لإيمانهم، فابذل وسعك في ذلك، فليس في مقدورك أن تهدي من لم يرد الله هدايته. { فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السمآء فتأتيهم بآية } أي: فافعل ذلك، فإنه لا يفيدهم شيئا، وهذا قطع لطمعه في هدايته أشباه هؤلاء المعاندين. { ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } ولكن حكمته تعالى اقتضت أنهم يبقون على الضلال. { فلا تكونن من الجهلين } الذين لا يعرفون حقائق الأمور، ولا ينزلونها على منازلها.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنعام ٣٣–٣٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

نفس الأمر {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي: ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم، كما قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي [رضي الله عنه] (1) قال قال: أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} (2) ورواه الحاكم، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (3) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة، حدثنا بشر بن المبشر الواسطي، عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل فصافحه، قال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الصابئ؟ ! فقال: والله إني أعلم (4) إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعا؟ ! وتلا أبو يزيد: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} قال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون. وذكر محمد بن إسحاق، عن الزهري، في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، هو وأبو سفيان صخر بن حرب، والأخنس بن شريق، ولا يشعر واحد منهم بالآخر. فاستمعوها إلى الصباح، فلما هجم الصبح تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال كل منهم للآخر: ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء له (5) ثم تعاهدوا ألا يعودوا، لما يخافون من علم شباب قريش بهم، لئلا يفتتنوا (6) بمجيئهم فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنا أن صاحبيه لا يجيئان، لما تقدم من العهود، فلما أجمعوا (7) جمعتهم الطريق، فتلاوموا، ثم تعاهدوا ألا يعودوا. فلما كانت الليلة الثالثة جاؤوا أيضا، فلما أصبحوا تعاهدوا ألا يعودوا لمثلها [ثم تفرقوا] (8) فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني (9) يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٢٣) ↗

التحرير والتنوير

فيكم وأصدقكم حديثا حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه قلتم ساحر وقلتم كاهن وقلتم شاعر وقلتم مجنون وو الله ما هو بأولئكم» . ولأن الآيات التي جاء بها لا يمتري أحد في أنها من عند الله، ولأن دلائل صدقه بينة واضحة ولكنكم ظالمون. والظالم هو الذي يجري على خلاف الحق بدون شبهة. فهم ينكرون الحق مع علمهم بأنه الحق، وذلك هو الجحود. وقد أخبر الله عنهم بذلك وهو أعلم بسرائرهم. ونظيرها قوله تعالى حكاية عن قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: 14] فيكون في الآية احتباك. والتقدير: فإنهم لا يكذبونك ولا يكذبون الآيات ولكنهم يجحدون بالآيات ويجحدون بصدقك، فحذف من كل لدلالة الآخر. وأخرج الترمذي عن ناجية بن كعب التابعي أن أبا جهل قال للنبيء صلى الله عليه وسلم: لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به. فأنزل الله فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية. لأن أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء، كما قال ابن العربي في «العارضة» : ذلك أنه التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة، فقوله: لا نكذبك، استهزاء بإطماع التصديق. [34] 34] ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) عطف على جملة فإنهم لا يكذبونك [الأنعام: 33] أو على جملة ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [الأنعام: 33] . ويجوز أن تكون الواو واو الحال من الكلام المحذوف قبل الفاء، أي فلا تحزن، أو إن أحزنك ذلك فإنهم لا يكذبونك والحال قد كذبت رسل من قبلك. والكلام على كل تقدير تسلية وتهوين وتكريم بأن إساءة أهل الشرك لمحمد- عليه الصلاة والسلام- هي دون ما أساء الأقوام إلى الرسل من قبله فإنهم كذبوا بالقول والاعتقاد وأما قومه فكذبوا بالقول فقط. وفي الكلام أيضا تأس للرسول بمن قبله من الرسل.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٢٠٠) ↗