سورة الأنعام · الآية ١٣٣
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا } أي: جميع الثقلين، من الإنس والجن، من ضل منهم، ومن أضل غيره، فيقول موبخا للجن الذين أضلوا الإنس، وزينوا لهم الشر، وأزوهم إلى المعاصي: { يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي: من إضلالهم وصدهم عن سبيل الله، فكيف أقدمتم على محارمي، وتجرأتم على معاندة رسلي؟ وقمتم محاربين لله، ساعين في صد عباد الله عن سبيله إلى سبيل الجحيم؟ فاليوم حقت عليكم لعنتي، ووجبت لكم نقمتي، وسنزيدكم من العذاب بحسب كفركم، وإضلالكم لغيركم. وليس لكم عذر به تعتذرون، ولا ملجأ إليه تلجأون، ولا شافع يشفع ولا دعاء يسمع، فلا تسأل حينئذ، عما يحل بهم من النكال والخزي والوبال، ولهذا لم يذكر الله لهم اعتذارا، وأما أولياؤهم من الإنس فأبدوا عذرا غير مقبول، فقالوا: { ربنا استمتع بعضنا ببعض } أي: تمتع كل من الجني والإنسي بصاحبه، وانتفع به. فالجني يستمتع بطاعة الإنسي له، وعبادته وتعظيمه، واستعاذته به. والإنسي يستمتع بنيل أغراضه، وبلوغه بسبب خدمة الجني له بعض شهواته، فإن الإنسي يعبد الجني، فيخدمه الجني، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، أي: حصل منا من الذنوب ما حصل، ولا يمكن رد ذلك، { وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا } أي: وقد وصلنا المحل الذي تجازي فيه بالأعمال، فافعل بنا الآن ما تشاء، واحكم فينا بما تريد، فقد انقطعت حجتنا ولم يبق لنا عذر، والأمر أمرك، والحكم حكمك. وكأن في هذا الكلام منهم نوع تضرع وترقق، ولكن في غير أوانه. ولهذا حكم فيهم بحكمه العادل، الذي لا جور فيه، فقال: { النار مثوكم خلدين فيهآ }. ولما كان هذا الحكم من مقتضى حكمته وعلمه، ختم الآية بقوله: { إن ربك حكيم عليم } فكما أن علمه وسع الأشياء كلها وعمها، فحكمته الغائية شملت الأشياء وعمتها ووسعتها. { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون } أي: وكما ولينا الجن المردة وسلطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد الموالاة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الذرية: الأصل، والذرية: النسل. وقوله تعالى: {إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين} أي: أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون (1) به من أمر المعاد كائن لا محالة، {وما أنتم بمعجزين} أي: ولا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما هو قادر لا يعجزه شيء. وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا بني آدم، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى. والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين" (2) . وقوله تعالى: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون} هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي: استمروا على طريقكم (3) وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كما قال تعالى: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون} [هود: 121، 122] . قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {على مكانتكم} أي: ناحيتكم. {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} أي: أتكون لي أو لكم. وقد أنجز موعده له، صلوات الله عليه، فإنه تعالى مكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته. ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه، رضي الله عنهم أجمعين، كما قال الله تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 20] ، وقال {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} [غافر: 51، 52] ، وقال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الذين أمرهم بما أمر ونهاهم عما نهى، وعن أعمالهم وعبادتهم إياه، وهم المحتاجون إليه، PageEndV09P565 لأنه بيده حياتهم ومماتهم وأرزاقهم وأقواتهم ونفعهم وضرهم، يقول عز ذكره: فلم أخلقهم يا محمد، ولم آمرهم بما أمرتهم به وأنههم عما نهيتهم عنه، لحاجة لي إليهم ولا إلى أعمالهم، ولكن لأتفضل عليهم برحمتي وأثيبهم على إحسانهم إن أحسنوا، فإني ذو الرأفة والرحمة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٥٦٤) ↗التحرير والتنوير
… أي بسبب تفاوت أعمالهم. وقوله: وما ربك بغافل عما يعملون خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم. وقرأ الجمهور: يعملون- بياء الغيبة- فيعود الضمير إلى أهل القرى، والمقصود مشركو مكة، فهو للتسلية والتطمين لئلا يستبطىء وعد الله بالنصر، وهو تعريض بالوعيد للمشركين من باب: واسمعي يا جارة. وقرأه ابن عامر- بتاء الخطاب-، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، فهو وعد بالجزاء على صالح أعمالهم، ترشيحا للتعبير بالدرجات حسبما قدمناه، ليكون سلا لهم من وعيد أهل القرى أصحاب الظلم، وكلتا القراءتين مراد الله تعالى فيما أحسب. [133] 133] وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) وربك الغني ذو الرحمة. عطفت جملة: وربك الغني على جملة: وما ربك بغافل عما يعملون [الأنعام: 132] إخبارا عن علمه ورحمته على الخبر عن عمله، وفي كلتا الجملتين وعيد ووعد، وفي الجملة الثانية كناية عن غناه تعالى عن إيمان المشركين وموالاتهم كما في قوله: إن تكفروا فإن الله غني عنكم [الزمر: 7] ، وكناية عن رحمته إذ أمهل المشركين ولم يعجل لهم العذاب، كما قال: وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب في سورة الكهف [58] . وقوله: وربك إظهار، في مقام الإضمار، ومقتضى الظاهر أن يقال: وهو الغني ذو الرحمة، فخولف مقتضى الظاهر لما في اسم الرب من دلالة على العناية بصلاح المربوب، ولتكون الجملة مستقلة بنفسها فتسير مسرى الأمثال والحكم، وللتنويه بشأن النبيء صلى الله عليه وسلم. والغني: هو الذي لا يحتاج إلى غيره، والغني الحقيقي هو الله تعالى لأنه لا يحتاج إلى غيره بحال، وقد قال علماء الكلام: إن صفة الغني الثابتة لله تعالى يشمل معناها وجوب الوجود، لأن افتقار الممكن إلى الموجد المختار، الذي يرجح طرف وجوده على طرف عدمه، هو أشد الافتقار، وأحسب أن معنى الغني لا يثبت في اللغة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗