سورة الأنعام · الآية ١٣٤
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا } أي: جميع الثقلين، من الإنس والجن، من ضل منهم، ومن أضل غيره، فيقول موبخا للجن الذين أضلوا الإنس، وزينوا لهم الشر، وأزوهم إلى المعاصي: { يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي: من إضلالهم وصدهم عن سبيل الله، فكيف أقدمتم على محارمي، وتجرأتم على معاندة رسلي؟ وقمتم محاربين لله، ساعين في صد عباد الله عن سبيله إلى سبيل الجحيم؟ فاليوم حقت عليكم لعنتي، ووجبت لكم نقمتي، وسنزيدكم من العذاب بحسب كفركم، وإضلالكم لغيركم. وليس لكم عذر به تعتذرون، ولا ملجأ إليه تلجأون، ولا شافع يشفع ولا دعاء يسمع، فلا تسأل حينئذ، عما يحل بهم من النكال والخزي والوبال، ولهذا لم يذكر الله لهم اعتذارا، وأما أولياؤهم من الإنس فأبدوا عذرا غير مقبول، فقالوا: { ربنا استمتع بعضنا ببعض } أي: تمتع كل من الجني والإنسي بصاحبه، وانتفع به. فالجني يستمتع بطاعة الإنسي له، وعبادته وتعظيمه، واستعاذته به. والإنسي يستمتع بنيل أغراضه، وبلوغه بسبب خدمة الجني له بعض شهواته، فإن الإنسي يعبد الجني، فيخدمه الجني، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، أي: حصل منا من الذنوب ما حصل، ولا يمكن رد ذلك، { وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا } أي: وقد وصلنا المحل الذي تجازي فيه بالأعمال، فافعل بنا الآن ما تشاء، واحكم فينا بما تريد، فقد انقطعت حجتنا ولم يبق لنا عذر، والأمر أمرك، والحكم حكمك. وكأن في هذا الكلام منهم نوع تضرع وترقق، ولكن في غير أوانه. ولهذا حكم فيهم بحكمه العادل، الذي لا جور فيه، فقال: { النار مثوكم خلدين فيهآ }. ولما كان هذا الحكم من مقتضى حكمته وعلمه، ختم الآية بقوله: { إن ربك حكيم عليم } فكما أن علمه وسع الأشياء كلها وعمها، فحكمته الغائية شملت الأشياء وعمتها ووسعتها. { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون } أي: وكما ولينا الجن المردة وسلطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد الموالاة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} الذرية: الأصل، والذرية: النسل. وقوله تعالى: {إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين} أي: أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون (1) به من أمر المعاد كائن لا محالة، {وما أنتم بمعجزين} أي: ولا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابا رفاتا وعظاما هو قادر لا يعجزه شيء. وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا بني آدم، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى. والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين" (2) . وقوله تعالى: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون} هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي: استمروا على طريقكم (3) وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كما قال تعالى: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون} [هود: 121، 122] . قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {على مكانتكم} أي: ناحيتكم. {فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} أي: أتكون لي أو لكم. وقد أنجز موعده له، صلوات الله عليه، فإنه تعالى مكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته. ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه، رضي الله عنهم أجمعين، كما قال الله تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} [المجادلة: 20] ، وقال {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} [غافر: 51، 52] ، وقال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فتفوتوه، لأنكم حيث كنتم في قبضته، وهو عليكم وعلى عقوبتكم بمعصيتكم إياه قادر، يقول: فاحذروه، وأنيبوا إلى طاعته قبل نزول البلاء بكم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٥٦٦) ↗التحرير والتنوير
… بها إلى الوصف بالأجناس، ومعناها صاحب، وهي تشعر بقوة أو وفرة ما تضاف إليه، فلا يقال ذو إنصاف إلا لمن كان قوي الإنصاف، ولا يقال ذو مال لمن عنده مال قليل، والمقصود من الوصف بذي الرحمة، هنا تمهيد لمعنى الإمهال الذي في قوله: إن يشأ يذهبكم، أي فلا يقولن أحد لماذا لم يذهب هؤلاء المكذبين، أي أنه لرحمته أمهلهم إعذارا لهم. إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين. استئناف لتهديد المشركين الذين كانوا يكذبون الإنذار بعذاب الإهلاك، فيقولون: متى هذا الفتح إن كنتم صادقين [السجدة: 28] وذلك ما يؤذن به قوله عقبه: إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين [الأنعام: 134] . فالخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود منه التعريض بمن يغفل عن ذلك من المشركين، ويجوز أن يكون إقبالا على خطاب المشركين فيكون تهديدا صريحا. والمعنى: إن يشأ الله يعجل بإفنائكم ويستخلف من بعدكم من يشاء ممن يؤمن به كما قال: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد: 38] أي فما إمهاله إياكم إلا لأنه الغني ذو الرحمة. وجملة الشرط وجوابه خبر ثالث عن المبتدأ. ومفعول: يشأ محذوف على طريقته المألوفة في حذف مفعول المشيئة. والإذهاب مجاز في الإعدام كقوله: وإنا على ذهاب به لقادرون [المؤمنون: 18] . والاستخلاف: جعل الخلف عن الشيء، والخلف: العوض عن شيء فائت، فالسين والتاء فيه للتأكيد، وما موصولة عامة، أي: ما يشاء من مؤمنين أو كافرين على ما تقتضيه حكمته، وهذا تعريض بالاستئصال لأن ظاهر الضمير يفيد العموم. والتشبيه في قوله: كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين تشبيه في إنشاء موجودات بعد موجودات أخرى، لا في كون المنشئات مخرجة من بقايا المعدومات، ويجوز أن يكون التشبيه في إنشاء موجودات من بقايا معدومات كما أنشأ البشر نشأة ثانية من ذرية من أنجاهم الله في السفينة مع نوح عليه السلام، فيكون الكلام تعريضا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗