البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ١٣٢

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا } أي: جميع الثقلين، من الإنس والجن، من ضل منهم، ومن أضل غيره، فيقول موبخا للجن الذين أضلوا الإنس، وزينوا لهم الشر، وأزوهم إلى المعاصي: { يمعشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي: من إضلالهم وصدهم عن سبيل الله، فكيف أقدمتم على محارمي، وتجرأتم على معاندة رسلي؟ وقمتم محاربين لله، ساعين في صد عباد الله عن سبيله إلى سبيل الجحيم؟ فاليوم حقت عليكم لعنتي، ووجبت لكم نقمتي، وسنزيدكم من العذاب بحسب كفركم، وإضلالكم لغيركم. وليس لكم عذر به تعتذرون، ولا ملجأ إليه تلجأون، ولا شافع يشفع ولا دعاء يسمع، فلا تسأل حينئذ، عما يحل بهم من النكال والخزي والوبال، ولهذا لم يذكر الله لهم اعتذارا، وأما أولياؤهم من الإنس فأبدوا عذرا غير مقبول، فقالوا: { ربنا استمتع بعضنا ببعض } أي: تمتع كل من الجني والإنسي بصاحبه، وانتفع به. فالجني يستمتع بطاعة الإنسي له، وعبادته وتعظيمه، واستعاذته به. والإنسي يستمتع بنيل أغراضه، وبلوغه بسبب خدمة الجني له بعض شهواته، فإن الإنسي يعبد الجني، فيخدمه الجني، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، أي: حصل منا من الذنوب ما حصل، ولا يمكن رد ذلك، { وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا } أي: وقد وصلنا المحل الذي تجازي فيه بالأعمال، فافعل بنا الآن ما تشاء، واحكم فينا بما تريد، فقد انقطعت حجتنا ولم يبق لنا عذر، والأمر أمرك، والحكم حكمك. وكأن في هذا الكلام منهم نوع تضرع وترقق، ولكن في غير أوانه. ولهذا حكم فيهم بحكمه العادل، الذي لا جور فيه، فقال: { النار مثوكم خلدين فيهآ }. ولما كان هذا الحكم من مقتضى حكمته وعلمه، ختم الآية بقوله: { إن ربك حكيم عليم } فكما أن علمه وسع الأشياء كلها وعمها، فحكمته الغائية شملت الأشياء وعمتها ووسعتها. { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون } أي: وكما ولينا الجن المردة وسلطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد الموالاة …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام (1) لعبيده. ثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى، والله أعلم (2) . وقال: وقوله: {ولكل درجات مما عملوا} أي: ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قلت: ويحتمل أن يعود قوله: {ولكل درجات مما عملوا} [أي] (3) من كافري الجن والإنس، أي: ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله [تعالى] (4) {قال لكل ضعف [ولكن لا تعلمون] } (5) [الأعراف: 38] ، وقوله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون} [النحل: 88] . {وما ربك بغافل عما يعملون} قال ابن جرير: أي وكل ذلك من عملهم، يا محمد، بعلم من ربك، يحصيها ويثبتها لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه. يقول [تعالى] (6) {وربك} يا محمد {الغني} أي: عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، {ذو الرحمة} أي: وهو مع ذلك رحيم بهم رؤوف، كما قال تعالى: {إن الله بالناس لرءوف رحيم} [البقرة: 143] . {إن يشأ يذهبكم} أي: إذا خالفتم أمره {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} أي: قوما آخرين، أي: يعملون بطاعته (7) ، {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} أي: هو قادر على ذلك، سهل عليه، يسير لديه، كما أذهب القرون الأول وأتى بالذي بعدها (8) كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} [النساء: 133] ، وقال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز} [فاطر: 15 -17] ، وقال تعالى: {والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] . وقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٥٦٤) ↗

التحرير والتنوير

… ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا [الإسراء: 16] فجعل إهلاكها تدميرها، وإلى قوله: ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها [الفرقان: 40] . والباء في: بظلم للسببية، والظلم: الشرك، أي مهلكهم بسبب شرك يقع فيها فيهلكها ويهلك أهلها الذين أوقعوه، ولذلك لم يقل: بظلم أهلها، لأنه أريد أن وجود الظلم فيها سبب هلاكها، وهلاك أهلها بالأحرى لأنهم المقصود بالهلاك. وجملة: وأهلها غافلون حال من القرى. وصرح هنا ب أهلها تنبيها على أن هلاك القرى من جراء أفعال سكانها، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا [النمل: 52] . [132] 132] ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) احتراس على قوله: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم [الأنعام: 131] للتنبيه على أن الصالحين من أهل القرى الغالب على أهلها الشرك والظلم لا يحرمون جزاء صلاحهم. والتنوين في: ولكل عوض عن المضاف إليه: أي ولكلهم، أي كل أهل القرى المهلكة درجات. يعني أن أهلها تتفاوت أحوالهم في الآخرة. فالمؤمنون منهم لا يضاع إيمانهم. والكافرون يحشرون إلى العذاب في الآخرة. بعد أن عذبوا في الدنيا. فالله قد ينجي المؤمنين من أهل القرى قبل نزول العذاب. فتلك درجة نالوها في الدنيا، وهي درجة إظهار عناية الله بهم، وترفع درجتهم في الآخرة. والكافرون يحيق بهم عذاب الإهلاك ثم يصيرون إلى عذاب الآخرة. وقد تهلك القرية بمؤمنيها ثم يصيرون إلى النعيم فيظهر تفاوت درجاتهم في الآخرة، وهذه حالة أخرى وهي المراد بقوله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [الأنفال: 25] روى البخاري، ومسلم، عن ابن عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم» . وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند البيهقي في «الشعب» مرفوعا أن الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗