البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ١٢٣

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { أو من كان } من قبل هداية الله له { ميتا } في ظلمات الكفر والجهل والمعاصي، { فأحيينه } بنور العلم والإيمان والطاعة، فصار يمشي بين الناس في النور، متبصرا في أموره مهتديا لسبيله، عارفا للخير مؤثرا له، مجتهدا في تنفيذه في نفسه وغيره، عارفا بالشر، مبغضا له، مجتهدا في تركه وإزالته عن نفسه وعن غيره. أفيستوي هذا بمن هو في الظلمات، ظلمات الجهل والغي، والكفر والمعاصي. { ليس بخارج منها } قد التبست عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك، فحضره لهم والغم والحزن والشقاء. فنبه تعالى العقول بما تدركه وتعرفه، أنه لا يستوي هذا ولا هذا كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، والأحياء والأموات. فكأنه قيل: فكيف يؤثر من له أدنى مسكة من عقل، أن يكون بهذه الحالة، وأن يبقى في الظلمات متحيرا: فأجاب بأنه { زين للكفرين ما كانوا يعملون } فلم يزل الشيطان يحسن لهم أعمالهم، ويزينها في قلوبهم، حتى استحسنوها ورأوها حقا. وصار ذلك عقيدة في قلوبهم، وصفة راسخة ملازمة لهم، فلذلك رضوا بما هم عليه من الشر والقبائح. وهؤلاء الذين في الظلمات يعمهون، وفي باطلهم يترددون غير متساوين. فمنهم: القادة، والرؤساء، والمتبوعون، ومنهم: التابعون المرؤوسون، والأولون منهم الذين فازوا بأشقى الأحوال، ولهذا قال: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها } أي: الرؤساء الذين قد كبر جرمهم، واشتد طغيانهم { ليمكروا فيها } بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان، ومحاربة الرسل وأتباعهم بالقول والفعل، وإنما مكرهم وكيدهم يعود على أنفسهم، لأنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم يناضلون هؤلاء المجرمين، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك، ويعينهم الله ويسدد رأيهم ويثبت أقدامهم، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم، حتى يدول الأمر في عاقبته بنصرهم وظهورهم، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان قال: كل مكر في القرآن فهو عمل. وقوله: {وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون} أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كم قال تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت: 13] ، وقال {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} [النحل: 25] . وقوله: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة، قالوا: {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، كما تأتي إلى الرسل، كقوله، جل وعلا {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا [لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا] (1) } [الفرقان: 21] . وقوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كما قال تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك} الآية [الزخرف: 31، 32] يعنون: لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير مبجل في أعينهم {من القريتين} أي: مكة والطائف. وذلك لأنهم -قبحهم الله -كانوا يزدرون بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بغيا وحسدا، وعنادا واستكبارا، كما قال تعالى مخبرا عنهم: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون} [الأنبياء: 36] ، وقال تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا} [الفرقان: 41] ، وقال تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} [الأنعام: 10] . هذا وهم يعترفون بفضله وشرفه ونسبه. وطهارة بيته ومرباه ومنشئه، حتى أنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه: "الأمين"، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار "أبو سفيان" حين سأله "هرقل" ملك الروم: كيف نسبه فيكم؟ …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

[الأنعام: 123] بغرور من القول أو بباطل من الفعل بدين الله وأنبيائه. {وما يمكرون} [الأنعام: 123] : أي ما يحيق مكرهم ذلك {إلا بأنفسهم} [الأنعام: 123] ، لأن الله تعالى ذكره من وراء عقوبتهم على صدهم عن سبيله. وهم لا يشعرون يقول: لا يدرون ما قد أعد الله لهم من أليم عذابه، فهم في غيهم وعتوهم على الله يتمادون. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٥٣٧) ↗

التحرير والتنوير

… العجيب كيدا ودقة زين لهؤلاء الكافرين أعمالهم على نحو ما تقدم في قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة [143] . وحذف فاعل التزيين فبني الفعل للمجهول: لأن المقصود وقوع التزيين لا معرفة من أوقعه. والمزين شياطينهم وأولياؤهم، كقوله: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [الأنعام: 137] ، ولأن الشياطين من الإنس هم المباشرون للتزيين، وشياطين الجن هم المسولون المزينون. والمراد بالكافرين المشركون الذين الكلام عليهم في الآيات السابقة إلى قوله: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم [الأنعام: 121] . [123] 123] وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (123) عطف على جملة: كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون [الأنعام: 122] فلها حكم الاستئناف البياني، لبيان سبب آخر من أسباب استمرار المشركين على ضلالهم، وذلك هو مكر أكابر قريتهم بالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين وصرفهم الحيل لصد الدهماء عن متابعة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمشار إليه بقوله: وكذلك أولياء الشياطين بتأويل كذلك المذكور. والمعنى: ومثل هذا الجعل الذي جعلناه لمشركي مكة جعلنا في كل قرية مضت أكابر يصدون عن الخير، فشبه أكابر المجرمين من أهل مكة في الشرك بأكابر المجرمين في أهل القرى في الأمم الأخرى، أي أن أمر هؤلاء ليس ببدع ولا خاص بأعداء هذا الدين، فإنه سنة المجرمين مع الرسل الأولين. فالجعل: بمعنى الخلق ووضع السنن الكونية، وهي سنن خلق أسباب الخير وأسباب الشر في كل مجتمع، وبخاصة القرى. وفي هذا تنبيه على أن أهل البداوة أقرب إلى قبول الخير من أهل القرى، لأنهم لبساطة طباعهم من الفطرة السليمة، فإذا سمعوا الخير تقبلوه، بخلاف أهل القرى، فإنهم لتشبثهم بعوائدهم وما ألفوه، ينفرون من كل ما يغيره عليهم، ولهذا قال الله تعالى: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل …

أكمل القراءة في الكتاب ↗