البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الأنعام · الآية ١٢٤

﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { أو من كان } من قبل هداية الله له { ميتا } في ظلمات الكفر والجهل والمعاصي، { فأحيينه } بنور العلم والإيمان والطاعة، فصار يمشي بين الناس في النور، متبصرا في أموره مهتديا لسبيله، عارفا للخير مؤثرا له، مجتهدا في تنفيذه في نفسه وغيره، عارفا بالشر، مبغضا له، مجتهدا في تركه وإزالته عن نفسه وعن غيره. أفيستوي هذا بمن هو في الظلمات، ظلمات الجهل والغي، والكفر والمعاصي. { ليس بخارج منها } قد التبست عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك، فحضره لهم والغم والحزن والشقاء. فنبه تعالى العقول بما تدركه وتعرفه، أنه لا يستوي هذا ولا هذا كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، والأحياء والأموات. فكأنه قيل: فكيف يؤثر من له أدنى مسكة من عقل، أن يكون بهذه الحالة، وأن يبقى في الظلمات متحيرا: فأجاب بأنه { زين للكفرين ما كانوا يعملون } فلم يزل الشيطان يحسن لهم أعمالهم، ويزينها في قلوبهم، حتى استحسنوها ورأوها حقا. وصار ذلك عقيدة في قلوبهم، وصفة راسخة ملازمة لهم، فلذلك رضوا بما هم عليه من الشر والقبائح. وهؤلاء الذين في الظلمات يعمهون، وفي باطلهم يترددون غير متساوين. فمنهم: القادة، والرؤساء، والمتبوعون، ومنهم: التابعون المرؤوسون، والأولون منهم الذين فازوا بأشقى الأحوال، ولهذا قال: { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها } أي: الرؤساء الذين قد كبر جرمهم، واشتد طغيانهم { ليمكروا فيها } بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان، ومحاربة الرسل وأتباعهم بالقول والفعل، وإنما مكرهم وكيدهم يعود على أنفسهم، لأنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم يناضلون هؤلاء المجرمين، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله، ويسلكون بذلك السبل الموصلة إلى ذلك، ويعينهم الله ويسدد رأيهم ويثبت أقدامهم، ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم، حتى يدول الأمر في عاقبته بنصرهم وظهورهم، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان قال: كل مكر في القرآن فهو عمل. وقوله: {وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون} أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كم قال تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت: 13] ، وقال {ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} [النحل: 25] . وقوله: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة، قالوا: {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، كما تأتي إلى الرسل، كقوله، جل وعلا {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا [لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا] (1) } [الفرقان: 21] . وقوله: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كما قال تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك} الآية [الزخرف: 31، 32] يعنون: لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير مبجل في أعينهم {من القريتين} أي: مكة والطائف. وذلك لأنهم -قبحهم الله -كانوا يزدرون بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بغيا وحسدا، وعنادا واستكبارا، كما قال تعالى مخبرا عنهم: {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون} [الأنبياء: 36] ، وقال تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا} [الفرقان: 41] ، وقال تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون} [الأنعام: 10] . هذا وهم يعترفون بفضله وشرفه ونسبه. وطهارة بيته ومرباه ومنشئه، حتى أنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه: "الأمين"، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار "أبو سفيان" حين سأله "هرقل" ملك الروم: كيف نسبه فيكم؟ …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

فيما حرم الله عليهم ليصدوا عن سبيل الله {آية} [البقرة: 106] يعني: حجة من الله على صحة ما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله وحقيقته، قالوا لنبي الله وأصحابه: {لن نؤمن} [البقرة: 55] يقول: يقولون: لن نصدق بما دعانا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان به، وبما جاء به من تحريم ما ذكر أن الله حرمه علينا، {حتى نؤتى} [الأنعام: 124] يعنون: حتى يعطيهم الله من المعجزات مثل الذي أعطى موسى من فلق البحر، وعيسى من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. يقول تعالى ذكره: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] يعني بذلك جل ثناؤه: أن آيات الأنبياء والرسل لم يعطها من البشر إلا رسول مرسل، وليس العادلون بربهم الأوثان والأصنام منهم فيعطوها. يقول جل ثناؤه: فأنا أعلم بمواضع رسالاتي ومن هو لها أهل، فليس لكم أيها

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٥٣٩) ↗

التحرير والتنوير

… سبيل المجاز المرسل، فإن غاية المكر ومآله إضرار الممكور به، فلما كان الإضرار حاصلا للماكرين دون الممكور به أطلق المكر على الإضرار. وجيء بصيغة القصر: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلحقه أذى ولا ضر من صدهم الناس عن اتباعه، ويلحق الضر الماكرين، في الدنيا: بعذاب القتل والأسر، وفي الآخرة: بعذاب النار، إن لم يؤمنوا فالضر انحصر فيهم على طريقة القصر الإضافي، وهو قصر قلب. وقوله: وما يشعرون جملة حال ثانية، فهم في حالة مكرهم بالنبيء متصفون بأنهم ما يمكرون إلا بأنفسهم وبأنهم ما يشعرون بلحاق عاقبة مكرهم بهم، والشعور: العلم. [124] 124] وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله. عطف على جملة: جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها [الأنعام: 123] لأن هذا حديث عن شيء من أحوال أكابر مجرمي مكة، وهم المقصود من التشبيه في قوله: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها. ومكة هي المقصود من عموم كل قرية كما تقدم، فالضمير المنصوب في قوله: جاءتهم عائد إلى أكابر مجرميها [الأنعام: 123] ، باعتبار الخاص المقصود من العموم، إذ ليس قول: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله بمنسوب إلى جميع أكابر المجرمين من جميع القرى. والمعنى: إذا جاءتهم آية من آيات القرآن، أي تليت عليهم آية فيها دعوتهم إلى الإيمان. فعبر بالمجيء عن الإعلام بالآية أو تلاوتها تشبيها للإعلام بمجيء الداعي أو المرسل. والمراد أنهم غير مقتنعين بمعجزة القرآن، وأنهم يطلبون معجزات عينية مثل معجزة موسى ومعجزة عيسى، وهذا في معنى قولهم: فليأتنا بآية كما أرسل الأولون [الأنبياء: 5] لجهلهم بالحكمة الإلهية في تصريف المعجزات بما يناسب حال المرسل إليهم، كما حكى الله تعالى: وقالوا لولا أنزل عليه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗