سورة الأنعام · الآية ١١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - مسليا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم - وكما جعلنا لك أعداء يردون دعوتك، ويحاربونك ويحسدونك، فهذه سنتنا، أن نجعل لكل نبي نرسله إلى الخلق أعداء، من شياطين الإنس والجن، يقومون بضد ما جاءت به الرسل. { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقا، ولهذا قال تعالى: { ولتصغى إليه } أي: ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف { أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة، يحملهم على ذلك، { وليرضوه } بعد أن يصغوا إليه فيصغون إليه أولا، فإذا مالوا إليه ورأوا تلك العبارات المستحسنة رضوه، وزين في قلوبهم، وصار عقيدة راسخة، وصفة لازمة، ثم ينتج من ذلك، أن يقترفوا من الأعمال والأقوال ما هم مقترفون، أي: يأتون من الكذب بالقول والفعل، ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة، فهذه حال المغترين، بشياطين الإنس والجن، المستجيبين لدعوتهم، وأما أهل الإيمان بالآخرة، وأولو العقول الوافية والألباب الرزينة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات، ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة، فإن كانت حقا قبلوها وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات ردية، وألفاظا غير وافية، وإن كانت باطلا، ردوها على من قالها، كائنا من كان، ولو ألبست من العبارات المستحسنة، ما هو أرق من الحرير. ومن حكمة الله تعالى في جعله للأنبياء أعداء، وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه، أن يحصل لعباده الابتلاء والامتحان، ليتميز الصادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى. ومن حكمته أن في ذلك بيانا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
بربك هاديا ونصيرا] (9) } [الفرقان: 43] . وقال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنه] (1) لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (2) وقوله: {شياطين الإنس والجن} بدل من {عدوا} أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، ومن هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله [تعالى] (3) {شياطين الإنس والجن} قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يوما يصلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تعوذ (4) يا أبا ذر من شياطين الإنس والجن". فقال: أو إن من الإنس شياطين (5) ؟ فقال رسول الله (6) صلى الله عليه وسلم: "نعم". وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر (7) وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال (8) ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن ابن (9) عائذ، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال: "يا أبا ذر، هل صليت؟ ". قال: لا يا رسول الله. قال: "قم فاركع ركعتين". قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: "يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس؟ ". قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم، هم شر من شياطين الجن". وهذا أيضا فيه انقطاع (10) وروي متصلا كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو (11) عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فجلست فقال: "يا أبا ذر هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن". قال: قلت يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". وذكر تمام الحديث بطوله. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إلى بعض المزين من القول بالباطل، ليغروا به المؤمنين من أتباع الأنبياء، فيفتنوهم عن دينهم، {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} [الأنعام: 113] يقول: ولتميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة. وهو من صغوت تصغى وتصغو، والتنزيل جاء بتصغى صغوا وصغوا، وبعض العرب يقول صغيت بالياء، حكي عن بعض بني أسد: صغيت إلى حديثه، فأنا أصغى صغيا بالياء، وذلك إذا ملت، يقال: صغوي معك: إذا كان هواك معه وميلك، مثل قولهم: ضلعي معك، ويقال: أصغيت الإناء: إذا أملته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٥٠٣) ↗التحرير والتنوير
… من يوحي أو إلى الإشراك المتقدم في قوله: ولو شاء الله ما أشركوا [الأنعام: 107] أو إلى العداوة المأخوذة من قوله: لكل نبي عدوا. والضمير المرفوع عائد إلى شياطين الإنس والجن، أو إلى المشركين، أو إلى العدو، وفرع عليه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتركهم وافتراءهم، وهو ترك إعراض عن الاهتمام بغرورهم، والنكد منه، لا إعراض عن وعظهم ودعوتهم، كما تقدم في قوله: وأعرض عن المشركين. والواو بمعنى مع. وما يفترون موصول منصوب على المفعول معه. وما يفترونه هو أكاذيبهم الباطلة من زعمهم إلهية الأصنام، وما يتبع ذلك من المعتقدات الباطلة. [113] 113] ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) عطف قوله: ولتصغى على غرورا [الأنعام: 112] لأن غرورا في معنى ليغروهم. واللام لام كي وما بعدها في تأويل مصدر، أي ولصغي، أي ميل قلوبهم إلى وحيهم فتقوم عليهم الحجة. ومعنى تصغى تميل، يقال: صغى يصغى صغيا، ويصغو صغوا- بالياء وبالواو- ووردت الآية على اعتباره- بالياء- لأنه رسم في المصحف بصورة الياء. وحقيقته الميل الحسي، يقال: صغى، أي مال، وأصغى أمال. وفي حديث الهرة: أنه أصغى إليها الإناء، ومنه أطلق: أصغى بمعنى استمع، لأن أصله أمال سمعه أو أذنه، ثم حذفوا المفعول لكثرة الاستعمال. وهو هنا مجاز في الاتباع وقبول القول. والذين لا يؤمنون بالآخرة هم المشركون. وخص من صفات المشركين عدم إيمانهم بالآخرة، فعرفوا بهذه الصلة للإيماء إلى بعض آثار وحي الشياطين لهم. وهذا الوصف أكبر ما أضر بهم، إذ كانوا بسببه لا يتوخون فيما يصنعون خشية العاقبة وطلب الخير، بل يتبعون أهواءهم وما يزين لهم من شهواتهم، معرضين عما في خلال ذلك من المفاسد والكفر، إذ لا يترقبون جزاء عن الخير والشر، فلذلك تصغى عقولهم إلى غرور الشياطين. ولا تصغى إلى دعوة النبيء صلى الله عليه وسلم والصالحين. وعطف وليرضوه على ولتصغى، وإن كان …
أكمل القراءة في الكتاب ↗