البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحشر · الآية ٢٠

﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة، فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أيضا أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه أعمالهم، ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد. وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة. والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا لا يمكنهم تداركه، ولا يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم وأوضعوا في معاصيه، فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات النعيم، والعيش السليم - مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - ومن غفل عن ذكر الله، ونسي حقوقه، فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون. ولما بين تعالى لعباده ما بين، وأمرهم ونهاهم في كتابه العزيز، كان هذا موجبا لأن يبادروا إلى ما …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره -حتى قال-: ولو بشق تمرة". قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". انفرد بإخراجه مسلم من حديث شعبة، بإسناد مثله (1) . فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} أمر بتقواه، وهي تشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر. وقوله: {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، {واتقوا الله} تأكيد ثان، {إن الله خبير بما تعملون} أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم (2) لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير. وقال (3) {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} أي: لا تنسوا ذكر الله فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: {أولئك هم الفاسقون} أي: الخارجون عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم، كما قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9] . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا [أبو] (4) المغيرة، حدثنا حريز بن عثمان، عن نعيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم؟ فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله، عز وجل، فليفعل، ولن تنالوا ذلك …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٤٨) ↗

التحرير والتنوير

وإظهار اسم الجلالة في قوله تعالى: كالذين نسوا الله دون أن يقال: نسوه لاستفظاع هذا النسيان فعلق باسم الله الذي خلقهم وأرشدهم. والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله: أولئك هم الفاسقون قصر ادعائي للمبالغة في وصفهم بشدة الفسق حتى كأن فسق غيرهم ليس بفسق في جانب فسقهم. واسم الإشارة للتشهير بهم بهذا الوصف. والفسق: الخروج من المكان الموضوع للشيء فهو صفة ذم غالبا لأنه مفارقة للمكان اللائق بالشيء، ومنه قيل: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، فالفاسقون هم الآتون بفواحش السيئات ومساوئ الأعمال وأعظمها الإشراك. وجملة أولئك هم الفاسقون مستأنفة استئنافا بيانيا لبيان الإبهام الذي أفاده قوله: فأنساهم أنفسهم كأن السامع سأل: ماذا كان إثر إنساء الله إياهم أنفسهم؟ فأجيب بأنهم بلغوا بسبب ذلك منتهى الفسق في الأعمال السيئة حتى حق عليهم أن يقال: إنه لا فسق بعد فسقهم. [20] 20] لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20) تذييل لجملة يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد [الحشر: 18] إلخ. لأنه جامع لخلاصة عاقبة الحالين: حال التقوى والاستعداد للآخرة، وحال نسيان ذلك وإهماله، ولكلا الفريقين عاقبة عمله. ويشمل الفريقين وأمثالهم. والجملة أيضا فذلكة لما قبلها من حال المتقين والذين نسوا الله ونسوا أنفسهم لأن ذكر مثل هذا الكلام بعد ذكر أحوال المتحدث عنه يكون في الغالب للتعريض بذلك المتحدث عنه كقولك عند ما ترى أحدا يؤذي الناس: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» ، فمعنى الآية كناية عن كون المؤمنين هم أصحاب الجنة، وكون الذين نسوا الله هم أهل النار فتضمنت الآية وعدا للمتقين ووعيدا للفاسقين.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١١٤) ↗