البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الحشر · الآية ٢١

﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة، فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أيضا أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه أعمالهم، ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد. وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة. والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا لا يمكنهم تداركه، ولا يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم وأوضعوا في معاصيه، فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات النعيم، والعيش السليم - مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - ومن غفل عن ذكر الله، ونسي حقوقه، فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون. ولما بين تعالى لعباده ما بين، وأمرهم ونهاهم في كتابه العزيز، كان هذا موجبا لأن يبادروا إلى ما …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون. وكذا قال قتادة، وابن جرير. وقد ثبت في الحديث المتواتر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حن الجذع وجعل (1) يئن كما يئن الصبي الذي يسكن (2) ، لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده. ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد إيراده: "فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجذع" (3) . وهكذا هذه الآية الكريمة، إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته، لخشعت وتصدعت من خشيته (4) فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ وقد قال تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} الآية [الرعد: 31] . وقد تقدم أن معنى ذلك: أي لكان هذا القرآن. وقال تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله} [البقرة: 74] . ثم قال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره، ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم الغيب (5) والشهادة، أي: يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا فلا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير، حتى الذر في الظلمات. وقوله: {هو الرحمن الرحيم} قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير، بما أغنى عن إعادته هاهنا. والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وقد قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] ، وقال {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] ، وقال {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

[الحشر: 21]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٤٨) ↗

التحرير والتنوير

والمراد من نفي الاستواء في مثل هذا الكناية عن البون بين الشيئين. وتعيين المفضل من الشيئين موكول إلى فهم السامع من قرينة المقام كما في قول السموأل: فليس سواء عالم وجهول وقول أبي حزام غالب بن الحارث العكلي: وأعلم أن تسليما وتركا ... لا متشابهان ولا سواء ومنه قوله تعالى: ليسوا سواء بعد قوله: ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم [آل عمران: 110] الآية. وقبل قوله: من أهل الكتاب أمة قائمة [آل عمران: 113] . وقد يردف بما يدل على جهة التفضيل كما في قوله تعالى: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا [الحديد: 10] . وقوله هنا أصحاب الجنة هم الفائزون، وتقدم في قوله تعالى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الآية [95] في سورة النساء. وأما من ذهب من علماء الأصول إلى تعميم نحو لا يستوون من قوله تعالى: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون [السجدة: 18] فاستدلوا به على أن الفاسق لا يلي ولاية النكاح، وهو استدلال الشافعية فليس ذلك بمرضي، وقد أباه الحنفية ووافقهم تاج الدين السبكي في غير «جمع الجوامع» . والقصر المستفاد من ضمير الفصل في قوله تعالى: أصحاب الجنة هم الفائزون قصر ادعائي لأن فوزهم أبدي فاعتبر فوز غيرهم ببعض أمور الدنيا كالعدم. [21] 21] لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) لما حذر المسلمين من الوقوع في مهواة نسيان الله التي وقع فيها الفاسقون، وتوعد الدين نسوا الله بالنار، وبين حالهم بأن الشيطان سول لهم الكفر. وكان القرآن

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١١٥) ↗