سورة الحشر · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه، سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة، فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو تعوقهم أو تصرفهم، وإذا علموا أيضا أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه أعمالهم، ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد. وهذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة. والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا لا يمكنهم تداركه، ولا يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم وأوضعوا في معاصيه، فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات النعيم، والعيش السليم - مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - ومن غفل عن ذكر الله، ونسي حقوقه، فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون. ولما بين تعالى لعباده ما بين، وأمرهم ونهاهم في كتابه العزيز، كان هذا موجبا لأن يبادروا إلى ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". انفرد بإخراجه مسلم من حديث شعبة، بإسناد مثله (1) . فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} أمر بتقواه، وهي تشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر. وقوله: {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، {واتقوا الله} تأكيد ثان، {إن الله خبير بما تعملون} أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم (2) لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير. وقال (3) {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} أي: لا تنسوا ذكر الله فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: {أولئك هم الفاسقون} أي: الخارجون عن طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم، كما قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9] . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا [أبو] (4) المغيرة، حدثنا حريز بن عثمان، عن نعيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم؟ فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله، عز وجل، فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله، عز وجل. إن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله تكونوا أمثالهم: {ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشقوة والسعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، [وائتضحوا بسنائه وبيانه] (5) إن الله أثنى على زكريا وأهل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٥٤٧) ↗التحرير والتنوير
وإعادة واتقوا الله ليبني عليه إن الله خبير بما تعملون فيحصل الربط بين التعليل والمعلل إذ وقع بينهما فصل ولتنظر نفس ما قدمت لغد. وإنما أعيد بطريق العطف لزيادة التأكيد فإن التوكيد اللفظي يؤتى به تارة معطوفا كقوله تعالى: أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى [القيامة: 34، 35] وقوله: كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون [التكاثر: 3- 4] . وقول عدي بن زيد: «وألفى قولها كذبا ومينا» . وذلك أن في العطف إيهام أن يكون التوكيد يجعل كالتأسيس لزيادة الاهتمام بالمؤكد. فجملة إن الله خبير بما تعملون تعليل للحث على تقوى الله وموقع إن فيها موقع التعليل. ويجوز أن يكون اتقوا الله المذكور أولا مرادا به التقوى بمعنى الخوف من الله وهي الباعثة على العمل ولذلك أردف بقوله: ولتنظر نفس ما قدمت لغد ويكون اتقوا الله المذكور ثانيا مرادا به الدوام على التقوى الأولى، أي ودوموا على التقوى على حد قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله [النساء: 136] ولذلك أردف بقوله: إن الله خبير بما تعملون أي بمقدار اجتهادكم في التقوى، وأردف بقوله: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم [الحشر: 19] أي أهملوا التقوى بعد أن تقلدوها كما سيأتي أنهم المنافقون فإنهم تقلدوا الإسلام وأضاعوه قال تعالى: نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون [التوبة: 67] . وفي قوله: إن الله خبير بما تعملون إظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار، فتكون الجملة مستقلة بدلالتها أتم استقلال فتجري مجرى الأمثال ولتربية المهابة في نفس المخاطبين. [19] 19] ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) بعد أن أمر المؤمنين بتقوى الله وإعداد العدة للآخرة أعقبه بهذا النهي تحذيرا عن الإعراض عن الدين والتغافل عن التقوى، وذلك يفضي إلى الفسوق. وجيء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/١١٢) ↗