سورة المجادلة · الآية ٩
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
النجوى هي التناجي بين اثنين فأكثر، وقد تكون في الخير، وتكون في الشر. فأمر الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا بالبر، وهو اسم جامع لكل خير وطاعة، وقيام بحق لله ولعباده، والتقوى، وهي [هنا]: اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم، فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي، فلا تجده مناجيا ومتحدثا إلا بما يقربه من الله، ويباعده من سخطه، والفاجر يتهاون بأمر الله، ويناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، كالمنافقين الذين هذا دأبهم وحالهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى { وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله } أي: يسيئون الأدب معك في تحيتهم لك، { ويقولون في أنفسهم } أي: يسرون في أنفسهم ما ذكره عالم الغيب والشهادة عنهم، وهو قولهم: { لولا يعذبنا الله بما نقول } ومعنى ذلك أنهم يتهاونون بذلك، ويستدلون بعدم تعجيل العقوبة عليهم، أن ما يقولون غير محذور، قال تعالى في بيان أنه يمهل ولا يهمل: { حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } أي: تكفيهم جهنم التي جمعت كل شقاء وعذاب [عليهم]، تحيط بهم، ويعذبون بها { فبئس المصير } وهؤلاء المذكورون إما أناس من المنافقين يظهرون الإيمان، ويخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا به خيرا، وهم كذبة في ذلك، وإما أناس من أهل الكتاب، الذين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: " السام عليك يا محمد " يعنون بذلك الموت.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المجادلة ٨–٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الله لداود مائة، وأتمها لآدم ألف سنة" (1) . وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن يوسف بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة [به] (2) . هذا حديث غريب جدا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه، من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب (3) عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ومن رواية داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة. ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ومن حديث هشام (4) بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره بنحوه (5) . فقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} قال: أنزلت في السلم إلى أجل معلوم. وقال قتادة، عن أبي حسان (6) الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى} رواه البخاري. وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (7) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٧٢٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله {إذا تداينتم} [البقرة: 282] يعني إذا تبايعتم بدين أو اشتريتم به، أو تعاطيتم، أو أخذتم به {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] يقول: إلى وقت معلوم وقتموه بينكم، وقد يدخل في ذلك القرض
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٦٩) ↗التحرير والتنوير
فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم [النور: 61] . وقوله: ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا [النور: 12] ، أي ظن بعضهم ببعض خيرا، أي يقول بعضهم لبعض. ويجوز أن يكون المراد ب أنفسهم مجامعهم كقوله تعالى: وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا، أي قل لهم خاليا بهم سترا عليهم من الافتضاح. وتقدم في سورة النساء [63] ولولا للتحضيض، أي هلا يعذبنا الله بسبب كلامنا الذي نتناجى به من ذم النبيء صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، أي يقولون ما معناه لو كان محمد نبيئا لعذبنا الله بما نقوله من السوء فيه ومن الذم وهو ما لخصه الله من قولهم بكلمة لولا يعذبنا الله فإن لولا للتحضيض مستعملة كناية عن جحد نبوءة النبيء صلى الله عليه وسلم، أي لو كان نبيئا لغضب الله علينا فلعذبنا الآن بسبب قولنا له. وهذا خاطر من خواطر أهل الضلالة المتأصلة فيهم، وهي توهمهم أن شأن الله تعالى كشأن البشر في إسراع الانتقام والاهتزاز مما لا يرضاه ومن المعاندة. وفي الحديث: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يدعون له ندا وهو يرزقهم على أنهم لجحودهم بالبعث والجزاء يحسبون أن عقاب الله تعالى يظهر في الدنيا» . وهذا من الغرور قال تعالى: وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [فصلت: 23] ، ولذلك قال تعالى ردا على كلامهم حسبهم جهنم أي كافيهم من العذاب جهنم فإنه عذاب. وأصل يصلونها يصلون بها، فضمن معنى يذوقونها أو يحسونها وقد تكرر هذا الاستعمال في القرآن. وقوله: فبئس المصير تفريع على الوعيد بشأن ذم جهنم. [9] 9] يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) خطاب للمنافقين الذين يظهرون الإيمان فعاملهم الله بما أظهروه وناداهم بوصف الذين آمنوا كما قال: من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم [المائدة: 41]
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٣٢) ↗