سورة المجادلة · الآية ٨
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
النجوى هي التناجي بين اثنين فأكثر، وقد تكون في الخير، وتكون في الشر. فأمر الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا بالبر، وهو اسم جامع لكل خير وطاعة، وقيام بحق لله ولعباده، والتقوى، وهي [هنا]: اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم، فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي، فلا تجده مناجيا ومتحدثا إلا بما يقربه من الله، ويباعده من سخطه، والفاجر يتهاون بأمر الله، ويناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، كالمنافقين الذين هذا دأبهم وحالهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى { وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله } أي: يسيئون الأدب معك في تحيتهم لك، { ويقولون في أنفسهم } أي: يسرون في أنفسهم ما ذكره عالم الغيب والشهادة عنهم، وهو قولهم: { لولا يعذبنا الله بما نقول } ومعنى ذلك أنهم يتهاونون بذلك، ويستدلون بعدم تعجيل العقوبة عليهم، أن ما يقولون غير محذور، قال تعالى في بيان أنه يمهل ولا يهمل: { حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } أي: تكفيهم جهنم التي جمعت كل شقاء وعذاب [عليهم]، تحيط بهم، ويعذبون بها { فبئس المصير } وهؤلاء المذكورون إما أناس من المنافقين يظهرون الإيمان، ويخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا به خيرا، وهم كذبة في ذلك، وإما أناس من أهل الكتاب، الذين إذا سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: " السام عليك يا محمد " يعنون بذلك الموت.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المجادلة ٨–٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
فرقا منه. فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟ ". قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل". هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء (1) وقوله: {ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول} أي: يتحدثون فيما بينهم بالإثم، وهو ما يختص بهم، والعدوان، وهو ما يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ومخالفته، يصرون عليها ويتواصون بها. وقوله: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا بن نمير، عن الأعمش، [عن مسلم] (2) عن مسروق، عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقالت عائشة: وعليكم السام و [اللعنة] (3) قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش". قلت: ألا تسمعهم يقولون: السام عليك؟ فقال رسول الله: "أو ما سمعت أقول (4) وعليكم؟ ". فأنزل الله: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله} (5) وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا" (6) وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه، إذ أتى عليهم يهودي فسلم عليهم، فردوا عليه، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "هل تدرون ما قال؟ ". قالوا: سلم يا رسول الله. قال: "بل قال: سام عليكم، أي: تسامون دينكم". قال رسول الله: "ردوه". فردوه عليه. فقال نبي الله: "أقلت: سام عليكم؟ ". قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك" أي: عليك ما قلت (7) وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح، وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة، بنحوه (8) وقوله: {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود ثم يعودون فقد نهى الله عز وجل إياهم عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤٦٩) ↗التحرير والتنوير
فهذه الآية تمهيد لقوله تعالى: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى الآية [المجادلة: 8] . وأ لم تر من الرؤية العلمية لأن علم الله لا يرى وسد المصدر مسد المفعول. والتقدير: ألم تر الله عالما. وما في السماوات وما في الأرض يعم المبصرات والمسموعات فهو أعم من قوله: والله على كل شيء شهيد [المجادلة: 6] لاختصاصه بعلم المشاهدات لأن الغرض المفتتح به هذه الجملة هو علم المسموعات. وجملة ما يكون من نجوى ثلاثة إلى آخرها بدل البعض من الكل فإن معنى قوله: إلا هو رابعهم. وقوله: إلا هو سادسهم وقوله: إلا هو معهم، أنه مطلع على ما يتناجون فيه فكأنه تعالى نجي معهم. وما نافية. ويكون مضارع (كان) التامة، ومن زائدة في النفي لقصد العموم، ونجوى في معنى فاعل يكون. وقرأ الجمهور يكون بياء الغائب لأن تأنيث نجوى غير حقيقي، فيجوز فيه جري فعله على أصل التذكير ولا سيما وقد فصل بينه وبين فاعله بحرف من الزائدة. وقرأه أبو جعفر بتاء المؤنث رعيا لصورة تأنيث لفظه. والنجوى: اسم مصدر ناجاه، إذا ساره. وثلاثة مضاف إليه نجوى. أي ما يكون تناجي ثلاثة من الناس إلا الله مطلع عليهم كرابع لهم، ولا خمسة إلا هو كسادس لهم، ولا أدنى ولا أكثر إلا هو كواحد منهم. وضمائر الغيبة عائدة إلى ثلاثة وإلى خمسة وإلى ذلك وأكثر. والمقصود من هذا الخبر الإنذار والوعيد وتخصيص عددي الثلاثة والخمسة بالذكر لأن بعض المتناجين الذي نزلت الآية بسببهم كانوا حلفا بعضها من ثلاثة وبعضها من خمسة. وقال الفراء: المعنى غير مصمود والعدد غير مقصود. وفي «الكشاف» عن ابن عباس: نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو (بن عمير من
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٦) ↗