سورة المجادلة · الآية ٦
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول الله تعالى: يوم يبعث الله الخلق { جميعا } فيقومون من أجداثهم سريعا فيجازيهم بأعمالهم { فينبئهم بما عملوا } من خير وشر، لأنه علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، وأمر الملائكة الكرام الحفظة بكتابته، هذا { و } العاملون قد نسوا ما عملوه، والله أحصى ذلك. { والله على كل شيء شهيد } بالظواهر والسرائر، والخبايا والخفايا. ولهذا أخبر عن سعة علمه وإحاطته بما في السماوات والأرض من دقيق وجليل. وأنه { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا } والمراد بهذه المعية معية العلم والإحاطة بما تناجوا به وأسروه فيما بينهم، ولهذا قال: { إن الله بكل شيء عليم } ثم قال تعالى: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المجادلة ٦–٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: من سر ثلاثة {إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} أي: يطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضا مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله وسمعه لهم، كما قال: {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب} [التوبة: 78] وقال {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [الزخرف: 80] ؛ ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى (1) ولا شك في إرادة ذلك ولكن سمعه أيضا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو، سبحانه، مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء. ثم قال: {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم. قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد [في قوله] (2) {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} قال: اليهود وكذا قال مقاتل بن حيان، وزاد: كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله- أو: بما يكره المؤمن-فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم، فترك طريقه عليهم. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النجوى، فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله: {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه} . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني سفيان بن حمزة، عن كثير عن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبيت عنده؛ يطرقه من الليل أمر (3) وتبدو له حاجة. فلما كانت ذات ليلة كثر أهل النوب والمحتسبون حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما هذا النجوى؟ ألم تنهوا عن النجوى؟ ". قلنا: تبنا إلى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله ونسوه} [المجادلة: 6] يقول تعالى ذكره: أحصى الله ما عملوا، فعده عليهم، وأثبته وحفظه، ونسيه عاملوه {والله على كل شيء شهيد} [المجادلة: 6] يقول: والله جل ثناؤه على كل شيء عملوه وغير ذلك من أمر خلقه {شهيد} [البقرة: 282] يعني شاهد يعلمه ويحيط به، فلا يغرب عنه شيء منه.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٤٦٧) ↗التحرير والتنوير
وقد أنزلنا آيات بينات. معترضة بين جملة إن الذين يحادون الله ورسوله وجملة وللكافرين عذاب مهين أي لا عذر لهم في محادة الله ورسوله فإن مع الرسول صلى الله عليه وسلم آيات القرآن بينة على صدقه. وللكافرين عذاب مهين. عطف على جملة كبتوا كما كبت الذين من قبلهم، أي لهم بعد الكبت عذاب مهين في الآخرة. وتعريف (الكافرين) تعريف الجنس ليستغرق كل الكافرين. ووصف عذابهم بالمهين لمناسبة وعيدهم بالكبت الذي هو الذل والإهانة. [6] 6] يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) يجوز أن يكون يوم ظرفا متعلقا بالكون المقدر في خبر المبتدأ من للكافرين عذاب مهين [المجادلة: 5] . ويجوز أن يكون متعلقا ب مهين، ويجوز أن يكون منصوبا على المفعول به لفعل تقديره: اذكر تنويها بذلك اليوم وتهويلا عليهم، وهذا كثير في أسماء الزمان التي وقعت في القرآن. وقد تقدم في قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة في سورة البقرة [30] . وضمير الجمع عائد إلى الذين يحادون الله ورسوله والذين من قبلهم [المجادلة: 5] . ولذلك أتي بلفظ الشمول وهو جميعا حالا من الضمير. وقوله: فينبئهم بما عملوا تهديد بفضح نفاقهم يوم البعث. وفيه كناية عن الجزاء على أعمالهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٨/٢٤) ↗