سورة الحديد · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانه، أن جميع ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة والصامتة وغيرها، [والجوامد] تسبح بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وأنها قانتة لربها، منقادة لعزته، قد ظهرت فيها آثار حكمته، ولهذا قال: { وهو العزيز الحكيم } فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية لربها، في جميع أحوالها، وعموم عزته وقهره للأشياء كلها، وعموم حكمته في خلقه وأمره، ثم أخبر عن عموم ملكه، فقال: { له ملك السموت والأرض يحيي ويميت } أي: هو الخالق لذلك، الرازق المدبر لها بقدرته { وهو على كل شيء قدير }. { هو الأول } الذي ليس قبله شيء، { والآخر } الذي ليس بعده شيء { والظاهر } الذي ليس فوقه شيء، { والباطن } الذي ليس دونه شيء. { وهو بكل شيء عليم } قد أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والسرائر والخفايا، والأمور المتقدمة والمتأخرة. { هو الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { ثم استوى على العرش } استواء يليق بجلاله، فوق جميع خلقه، { يعلم ما يلج في الأرض } من حب وحيوان ومطر، وغير ذلك. { وما يخرج منها } من نبات وشجر وحيوان وغير ذلك، { وما ينزل من السمآء } من الملائكة والأقدار والأرزاق. { وما يعرج فيها } من الملائكة والأرواح، والأدعية والأعمال، وغير ذلك. { وهو معكم أين ما كنتم } كقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا [المجادلة: 7]. وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد على المجازاة بالأعمال بقوله: { والله بما تعملون بصير } أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها عليكم. { له ملك السموت والأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، يتصرف فيهم بما شاءه من أوامره القدرية والشرعية، الجارية على الحكمة الربانية، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{يعلم ما يلج في الأرض} أي: يعلم عدد ما يدخل فيها من حب وقطر {وما يخرج منها} من زرع ونبات وثمار، كما قال: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] . وقوله: {وما ينزل من السماء} أي: من الأمطار، والثلوج والبرد، والأقدار والأحكام مع الملائكة الكرام، وقد تقدم في سورة "البقرة" أنه ما ينزل من قطرة من السماء إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمر الله به حيث يشاء تعالى. وقوله: {وما يعرج فيها} أي: من الملائكة والأعمال، كما جاء في الصحيح: "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل" (1) وقوله: {وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث أنتم، وأين كنتم، من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم، كما قال: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور} [هود: 5] . وقال {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] ، فلا إله غيره ولا رب سواه. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال لجبريل، لما سأله عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة، حدثني أبي، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: قال عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: زودني كلمة أعيش بها فقال: "استح الله كما تستحي رجلا من صالح عشيرتك لا يفارقك" (2) هذا حديث غريب، وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري مرفوعا: "ثلاث من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
5] له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) له ملك السماوات والأرض. هذا تأكيد لنظيره الذي في أول هذه السورة كرر ليبنى عليه قوله: وإلى الله ترجع الأمور، فكان ذكره في أول السورة مبنيا عليه التصرف في الموجودات القابلة للحياة والموت في الدنيا، وكان ذكره هنا مبنيا عليه أن أمور الموجودات كلها ترجع إلى تصرفه. وتقديم المسند لقصر الإلهية عليه تعالى فيفيذ صفة الواحد. وإلى الله ترجع الأمور. عطف على له ملك السماوات والأرض عطف الخاص من وجه على العام منه فيما يتعلق بالأمور الجارية في الدنيا، وعطف المغاير فيما يتعلق بالأمور التي تجري يوم القيامة على ما سيتضح في تفسير معنى الأمور. فالأمور: جمع أمر، واشتهر في اللغة أن الأمر اسم للشأن والحادث فيعم الأفعال والأقوال. وقال ابن عطية: الأمور هنا: جميع الموجودات لأن الأمر والشيء والموجود أسماء شائعة في جميع الموجودات: أعراضها وجواهرها» اه. ولم أره لغيره. وفي «المحصول» و «شرحه» في أصول الفقه، ومن تبعه من كتب أصول الفقه أن كلمة (أمر) مشتركة بين الفعل والقول والشأن والشيء ولم أر عزو ذلك إلى معروف ولا أتوا له بمثال سالم عن النظر ولا أحسب أن ذلك من اللغة. فإن أخذنا بالمشهور في اللغة كان المعنى ترجع أفعال الناس إلى الله، أي ترجع في الحشر، والمراد: رجوع أهلها للجزاء على أعمالهم إذ لا يتعلق الرجوع بحقائقها، فعطف قوله: وإلى الله ترجع الأمور تتميم لجملة له ملك السماوات والأرض، أي له ملك العوالم في الدنيا وله التصرف في أعمال العقلاء من أهلها في الآخرة. وإن أخذنا بشمول اسم الأمور للذوات كان مفيدا لإثبات البعث، أي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٦٥) ↗