البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحديد · الآية ٤

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانه، أن جميع ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة والصامتة وغيرها، [والجوامد] تسبح بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وأنها قانتة لربها، منقادة لعزته، قد ظهرت فيها آثار حكمته، ولهذا قال: { وهو العزيز الحكيم } فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية لربها، في جميع أحوالها، وعموم عزته وقهره للأشياء كلها، وعموم حكمته في خلقه وأمره، ثم أخبر عن عموم ملكه، فقال: { له ملك السموت والأرض يحيي ويميت } أي: هو الخالق لذلك، الرازق المدبر لها بقدرته { وهو على كل شيء قدير }. { هو الأول } الذي ليس قبله شيء، { والآخر } الذي ليس بعده شيء { والظاهر } الذي ليس فوقه شيء، { والباطن } الذي ليس دونه شيء. { وهو بكل شيء عليم } قد أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والسرائر والخفايا، والأمور المتقدمة والمتأخرة. { هو الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { ثم استوى على العرش } استواء يليق بجلاله، فوق جميع خلقه، { يعلم ما يلج في الأرض } من حب وحيوان ومطر، وغير ذلك. { وما يخرج منها } من نبات وشجر وحيوان وغير ذلك، { وما ينزل من السمآء } من الملائكة والأقدار والأرزاق. { وما يعرج فيها } من الملائكة والأرواح، والأدعية والأعمال، وغير ذلك. { وهو معكم أين ما كنتم } كقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا [المجادلة: 7]. وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد على المجازاة بالأعمال بقوله: { والله بما تعملون بصير } أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها عليكم. { له ملك السموت والأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، يتصرف فيهم بما شاءه من أوامره القدرية والشرعية، الجارية على الحكمة الربانية، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يأتيهم. فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام. رواه ابن جرير. وقال قتادة: {استهوته الشياطين في الأرض} أضلته في الأرض، يعني: استهوته (1) مثل قوله: {تهوي إليهم} [إبراهيم: 37] . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا} الآية. هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى الله، عز وجل، كمثل رجل ضل عن طريق تائها ضالا إذ ناداه مناد: "يا فلان بن فلان، هلم إلى الطريق"، وله أصحاب يدعونه: "يا فلان، هلم إلى الطريق"، فإن اتبع الداعي الأول، انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة (2) وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى، اهتدى إلى الطريق. وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت، فيستقبل الهلكة والندامة. وقوله: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض} هم "الغيلان"، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربما أكلته -أو تلقيه في مضلة من الأرض، يهلك فيها عطشا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله، عز وجل. رواه ابن جرير. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران} قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من يضل بعد أن هدي. وقال العوفي، عن ابن عباس، قوله: {كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران} هو الذي لا يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وجار (3) عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس، يقول [الله] (4) {إن هدى الله هو الهدى} والضلال ما يدعو إليه الجن. رواه ابن جرير، ثم قال: وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال، ويزعمون …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

والقصر في قوله: والظاهر والباطن قصر ادعائي لأن ظهور الله تعالى بالمعنيين ظهور لا يدانيه ظهور غيره، وبطونه تعالى لا يشبهه بطون الأشياء الخفية إذ لا مطمع لأحد في إدراك ذاته ولا في معرفة تفاصيل تصرفاته. والجمع بين وصفه ب الظاهر بالمعنى الراجح والباطن كالجمع بين وصفه ب الأول والآخر كما علمته آنفا. وفي الجمع بينهما محسن المطابقة. وفائدة إجراء الوصفين المتضادين على اسم الله تعالى هنا التنبيه على عظم شأن الله تعالى ليتدبر العالمون في مواقعها. واعلم أن الواوات الثلاثة الواقعة بين هذه الصفات الأربع متحدة المعنى تقتضي كل واحدة منها عطف صفة. وقال الزمخشري: «الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولية والآخرية. والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين» اه. وهو تشبث لا داعي إليه ولا دليل عليه ولو أريد ذلك لقال: هو الأول الآخر، والظاهر الباطن، بحذف واوين. والمعنى الذي حاوله الزمخشري: تقتضيه معاني هاته الصفات بدون اختلاف معاني الواوات. وهو بكل شيء عليم. عطف على جملة هو الأول والآخر إلخ عطفت صفة علمه على صفة ذاته، وتقدم نظير هذه الجملة في أوائل سورة البقرة. [4] 4] هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش. موقع هذه الجملة استئناف كموقع جملة هو الأول والآخر [الحديد: 3] الآية، فهذا استئناف ثان مفيد الاستدلال على انفراده تعالى بالإلهية ليقلعوا عن الإشراك به.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٦٣) ↗