سورة الحديد · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانه، أن جميع ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة والصامتة وغيرها، [والجوامد] تسبح بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وأنها قانتة لربها، منقادة لعزته، قد ظهرت فيها آثار حكمته، ولهذا قال: { وهو العزيز الحكيم } فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية لربها، في جميع أحوالها، وعموم عزته وقهره للأشياء كلها، وعموم حكمته في خلقه وأمره، ثم أخبر عن عموم ملكه، فقال: { له ملك السموت والأرض يحيي ويميت } أي: هو الخالق لذلك، الرازق المدبر لها بقدرته { وهو على كل شيء قدير }. { هو الأول } الذي ليس قبله شيء، { والآخر } الذي ليس بعده شيء { والظاهر } الذي ليس فوقه شيء، { والباطن } الذي ليس دونه شيء. { وهو بكل شيء عليم } قد أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والسرائر والخفايا، والأمور المتقدمة والمتأخرة. { هو الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { ثم استوى على العرش } استواء يليق بجلاله، فوق جميع خلقه، { يعلم ما يلج في الأرض } من حب وحيوان ومطر، وغير ذلك. { وما يخرج منها } من نبات وشجر وحيوان وغير ذلك، { وما ينزل من السمآء } من الملائكة والأقدار والأرزاق. { وما يعرج فيها } من الملائكة والأرواح، والأدعية والأعمال، وغير ذلك. { وهو معكم أين ما كنتم } كقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا [المجادلة: 7]. وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد على المجازاة بالأعمال بقوله: { والله بما تعملون بصير } أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها عليكم. { له ملك السموت والأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، يتصرف فيهم بما شاءه من أوامره القدرية والشرعية، الجارية على الحكمة الربانية، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار إلى الغاية، ثم يسرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في زمن الشتاء، {وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى} قيل: إلى غاية محدودة. وقيل: إلى يوم القيامة. وكلا المعنيين صحيح، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر، رضي الله عنه، الذي في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت" (1) . وقال ابن أبي الحاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح (2) ، عن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، قال: وكذلك القمر. إسناده صحيح. وقوله: {وأن الله بما تعملون خبير} ، كقوله: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} [الحج: 70] . (3) ومعنى هذا: أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] . وقوله: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل} أي: إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق، أي: الموجود الحق، الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل فإنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه؛ لأن كل ما (4) في السموات والأرض الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابا لعجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير} أي: العلي: الذي لا أعلى منه، الكبير: الذي هو أكبر من كل شيء، فكل (5) شيء خاضع حقير بالنسبة إليه.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٥٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ساعات الليل في ساعات النهار، فما نقص من هذا زاد في هذا {ويولج النهار في الليل} [الحج: 61] ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا، وبالقدرة التي يفعل ذلك ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الذين بغوا عليهم، فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم. يقول: وفعل ذلك أيضا بأنه ذو سمع لما يقولون من قول، لا يخفى عليه منه شيء، بصير بما يعملون، لا يغيب عنه منه شيء، كل ذلك معه بمرأى ومسمع، وهو الحافظ لكل ذلك، حتى يجازي جميعهم على ما قالوا وعملوا من قول وعملجزاءه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٦٢١) ↗التحرير والتنوير
الذوات التي كانت في الدنيا تصير إلى الله يوم القيامة فيجازيها على أعمالها. وعلى كلا الاحتمالين فمفاده مفاد اسمه (المهيمن) . وتعريف الجمع في الأمور من صيغ العموم. وتقديم المجرور على متعلقه للاهتمام لا للقصر إذ لا مقتضى للقصر الحقيقي ولا داعي للقصر الإضافي إذ لا يوجد من الكفار من يثبت البعث ولا من زعموا أن الناس يصيرون في تصرف غير الله. والرجوع: مستعار للكون في مكان غير المكان الذي كان فيه دون سبق مغادرة عن هذا المكان. وإظهار اسم الجلالة دون أن يقول: وإليه ترجع الأمور، لتكون الجملة مستقلة بما دلت عليه فتكون كالمثل صالحة للتسيير. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم وأبو جعفر ترجع بضم التاء وفتح الجيم على معنى يرجعها مرجع وهو الله قسرا. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب وخلف ترجع بفتح التاء وكسر الجيم، أي ترجع من تلقاء أنفسها لأنها مسخرة لذلك في آجالها. [6] 6] يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. مناسبة ذكره هذه الجملة أن تقدير الليل والنهار وتعاقبهما من التصرفات الإلهية المشاهدة في أحوال السماوات والأرض وملابسات أحوال الإنسان، فهذه الجملة بدل اشتمال من جملة له ملك السماوات والأرض [الحديد: 5] وهو أيضا مناسب لمضمون جملة وإلى الله ترجع الأمور [الحديد: 5] تذكير للمشركين بأن المتصرف في سبب الفناء هو الله تعالى فإنهم يعتقدون أن الليل والنهار هما اللذان يفنيان الناس، قال الأعشى: ألم تروا إرما وعادا ... أفناهما الليل والنهار
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٦٦) ↗