سورة الحديد · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانه، أن جميع ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة والصامتة وغيرها، [والجوامد] تسبح بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وأنها قانتة لربها، منقادة لعزته، قد ظهرت فيها آثار حكمته، ولهذا قال: { وهو العزيز الحكيم } فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية لربها، في جميع أحوالها، وعموم عزته وقهره للأشياء كلها، وعموم حكمته في خلقه وأمره، ثم أخبر عن عموم ملكه، فقال: { له ملك السموت والأرض يحيي ويميت } أي: هو الخالق لذلك، الرازق المدبر لها بقدرته { وهو على كل شيء قدير }. { هو الأول } الذي ليس قبله شيء، { والآخر } الذي ليس بعده شيء { والظاهر } الذي ليس فوقه شيء، { والباطن } الذي ليس دونه شيء. { وهو بكل شيء عليم } قد أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والسرائر والخفايا، والأمور المتقدمة والمتأخرة. { هو الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { ثم استوى على العرش } استواء يليق بجلاله، فوق جميع خلقه، { يعلم ما يلج في الأرض } من حب وحيوان ومطر، وغير ذلك. { وما يخرج منها } من نبات وشجر وحيوان وغير ذلك، { وما ينزل من السمآء } من الملائكة والأقدار والأرزاق. { وما يعرج فيها } من الملائكة والأرواح، والأدعية والأعمال، وغير ذلك. { وهو معكم أين ما كنتم } كقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا [المجادلة: 7]. وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد على المجازاة بالأعمال بقوله: { والله بما تعملون بصير } أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها عليكم. { له ملك السموت والأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، يتصرف فيهم بما شاءه من أوامره القدرية والشرعية، الجارية على الحكمة الربانية، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال أبو داود حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة-يعني بن عمار-حدثنا أبو زميل قال: سألت بن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال ما هو؟ قلت والله لا أتكلم به قال: فقال لي أشيء من شك؟ قال -وضحك -قال: ما نجا من ذلك أحد قال حتى أنزل الله {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك [لقد جاءك الحق من ربك] } (1) الآية [يونس:94] قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئا فقل: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} (2) وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولا. وقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علما والباطن على كل شيء علما (3) قال شيخنا الحافظ المزي: يحيى هذا هو بن زياد الفراء، له كتاب سماه: "معاني القرآن". وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو (4) عند النوم: "اللهم، رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول ليس (5) قبلك شيء وأنت الآخر ليس (6) بعدك شيء، وأنت الظاهر ليس فوقك شيء وأنت الباطن ليس دونك شيء. اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر" (7) ورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام: أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم، رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تعالى ذكره: {هو الأول} [الحديد: 3] قبل كل شيء بغير حد {والآخر} [الحديد: 3] يقول: والآخر بعد كل شيء بغير نهاية وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جل ثناؤه: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٨٥) ↗التحرير والتنوير
وعلى قول ابن مسعود يكون ابتداء نزولها آخر سنة أربع من البعثة فتكون من أقدم السور نزولا فتكون نزلت قبل سورة الحجر وطه وبعد غافر، فالوجه أن معظم آياتها نزل بعد سورة الزلزال. وعدت آيها في عد أهل المدينة ومكة والشام ثمانا وعشرين، وفي عد أهل البصرة والكوفة تسعا وعشرين. وورد في فضلها مع غيرها من السور المفتتحة بالتسبيح ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن العرباض بن سارية «أن النبيء صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالمسبحات قبل أن يرقد ويقول: إن فيهن آية أفضل من ألف آية . وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وظن ابن كثير أن الآية المشار إليها في حديث العرباض هي قوله تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم [الحديد: 3] لما ورد في الآثار من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها. الأغراض التي اشتملت عليها هذه السورة: التذكير بجلال الله تعالى، وصفاته العظيمة، وسعة قدرته وملكوته، وعموم تصرفه، ووجوب وجوده، وسعة علمه، والأمر بالإيمان بوجوده، وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من الآيات البينات. والتنبيه لما في القرآن من الهدي وسبيل النجاة، والتذكير برحمة الله ورأفته بخلقه. والتحريض على الإنفاق في سبيل الله، وأن المال عرض زائل لا يبقى منه لصاحبه إلا ثواب ما أنفق منه في مرضاة الله. والتخلص إلى ما أعد الله للمؤمنين والمؤمنات يوم القيامة من خير وضد ذلك للمنافقين والمنافقات.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٥٥) ↗