سورة الحديد · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانه، أن جميع ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة والصامتة وغيرها، [والجوامد] تسبح بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وأنها قانتة لربها، منقادة لعزته، قد ظهرت فيها آثار حكمته، ولهذا قال: { وهو العزيز الحكيم } فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية لربها، في جميع أحوالها، وعموم عزته وقهره للأشياء كلها، وعموم حكمته في خلقه وأمره، ثم أخبر عن عموم ملكه، فقال: { له ملك السموت والأرض يحيي ويميت } أي: هو الخالق لذلك، الرازق المدبر لها بقدرته { وهو على كل شيء قدير }. { هو الأول } الذي ليس قبله شيء، { والآخر } الذي ليس بعده شيء { والظاهر } الذي ليس فوقه شيء، { والباطن } الذي ليس دونه شيء. { وهو بكل شيء عليم } قد أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والسرائر والخفايا، والأمور المتقدمة والمتأخرة. { هو الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { ثم استوى على العرش } استواء يليق بجلاله، فوق جميع خلقه، { يعلم ما يلج في الأرض } من حب وحيوان ومطر، وغير ذلك. { وما يخرج منها } من نبات وشجر وحيوان وغير ذلك، { وما ينزل من السمآء } من الملائكة والأقدار والأرزاق. { وما يعرج فيها } من الملائكة والأرواح، والأدعية والأعمال، وغير ذلك. { وهو معكم أين ما كنتم } كقوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا [المجادلة: 7]. وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد على المجازاة بالأعمال بقوله: { والله بما تعملون بصير } أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها عليكم. { له ملك السموت والأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، يتصرف فيهم بما شاءه من أوامره القدرية والشرعية، الجارية على الحكمة الربانية، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
سواه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا ما نسمع من شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم". (1) وقال كعب الأحبار: ما من موضع خرمة (2) إبرة من الأرض إلا وملك موكل بها، يرفع علم ذلك إلى الله، وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب، وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام. قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء. قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين (3) كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها، [ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها] (4) فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم. وقال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع (5) [حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع] (6) حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله عز وجل، قد عودك في الدعاء خيرا، فادع لنا. قال: "تحب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
«الله» لما علمت في تفسير الفاتحة من أن أصله الإله، أي المنفرد بالإلهية. وأتبع هذا الاسم بصفات ربانية تدل على كمال الله تعالى وتنزهه عن النقص كما يأتي بيانه فكانت هذه الفاتحة براعة استهلال لهذه السورة، ولذلك أتبع اسمه العلم بعشر صفات هي جامعة لصفات الكمال وهي: العزيز، الحكيم، له ملك السماوات والأرض، يحيي، ويميت، وهو على كل شيء قدير، هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شيء عليم. وصيغ فعل التسبيح بصيغة الماضي للدلالة على أن تنزيهه تعالى أمر مقرر أمر الله به عباده من قبل وألهمه الناس وأودع دلائله في أحوال ما لا اختيار له، كما دل عليه قوله تعالى: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال [الرعد: 15] وقوله: وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44] . ففي قوله: سبح تعريض بالمشركين الذين أهملوا أهم التسبيح وهو تسبيحه عن الشريك والند. واللام في قوله: لله لام التبيين. وفائدتها زيادة بيان ارتباط المعمول بعامله لأن فعل التسبيح متعد بنفسه لا يحتاج إلى التعدية بحرف، قال تعالى: فاسجد له وسبحه [الإنسان: 26] ، فاللام هنا نظيره اللام في قولهم: شكرت لك، ونصحت لك، وقوله تعالى: ونقدس لك [البقرة: 30] ، وقولهم سقيا لك ورعيا لك، وأصله: سقيك ورعيك. وما في السماوات والأرض يعم الموجودات كلها فإن ما اسم موصول يعم العقلاء وغيرهم، أو هو خاص بغير العقلاء فجرى هنا على التغليب، وكلها دال على تنزيه الله تعالى عن الشريك فمنها دلالة بالقول كتسبيح الأنبياء والمؤمنين، ومنها دلالة بالفعل كتسبيح الملائكة، ومنها دلالة بشهادة الحال كما تنبىء به أحوال الموجودات من الافتقار إلى الصانع المنفرد بالتدبير، فإن جعل عموم ما في السماوات والأرض مخصوصا بمن يتأتى منهم النطق بالتسبيح وهم العقلاء كان إطلاق التسبيح على تسبيحهم حقيقة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٥٧) ↗