سورة الحديد · الآية ١١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى عباده بالإيمان به وبرسوله وبما جاء به، وبالنفقة في سبيله، من الأموال التي جعلها الله في أيديهم واستخلفهم عليها، لينظر كيف يعملون، ثم لما أمرهم بذلك، رغبهم وحثهم عليه بذكر ما رتب عليه من الثواب، فقال: { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا } أي: جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله، والنفقة في سبيله، لهم أجر كبير، أعظمه [وأجله] رضا ربهم، والفوز بدار كرامته، وما فيها من النعيم المقيم، الذي أعده الله للمؤمنين والمجاهدين، ثم ذكر [السبب] الداعي لهم إلى الإيمان، وعدم المانع منه، فقال: { وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين } أي: وما الذي يمنعكم من الإيمان، والحال أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل وأكرم داع دعا إلى الله يدعوكم، فهذا مما يوجب المبادرة إلى إجابة دعوته، والتلبية والإجابة للحق الذي جاء به، وقد أخذ عليكم العهد والميثاق بالإيمان إن كنتم مؤمنين، ومع ذلك، من لطفه وعنايته بكم، أنه لم يكتف بمجرد دعوة الرسول الذي هو أشرف العالم، بل أيده بالمعجزات، ودلكم على صدق ما جاء به بالآيات البينات، فلهذا قال: { هو الذي ينزل على عبده آيات بينات } أي: ظاهرات تدل أهل العقول على صدق كل ما جاء به، وأنه حق اليقين، { ليخرجكم } بإرسال الرسول إليكم، وما أنزله الله على يده من الكتاب والحكمة، { من الظلمات إلى النور } أي: من ظلمات الجهل والكفر، إلى نور العلم والإيمان، وهذا من رحمته بكم ورأفته، حيث كان أرحم بعباده من الوالدة بولدها { وإن الله بكم لرءوف رحيم }. { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموت والأرض } أي: وما الذي يمنعكم من النفقة في سبيل الله، وهي طرق الخير كلها، ويوجب لكم أن تبخلوا، { و } الحال أنه ليس لكم شيء، بل { لله ميراث السموت والأرض } فجميع الأموال ستنتقل من أيديكم أو تنقلون عنها، ثم يعود الملك إلى مالكه تبارك وتعالى، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانوا أهل قرية يقال لها: داوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد: من قبل واسط. وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات، وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مثل. وقال علي بن عاصم: كانوا: من أهل داوردان: قرية على فرسخ من واسط. وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون قالوا: نأتي أرضا ليس بها (1) موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم (2) موتوا فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله عز وجل: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت} الآية. وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا (3) أرضهم وأصابهم بها وباء شديد فخرجوا فرارا من الموت إلى البرية، فنزلوا واديا أفيح، فملأوا ما بين عدوتيه فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي والآخر من أعلاه فصاحا بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فحيزوا إلى حظائر وبني عليهم جدران وقبور [وفنوا] (4) وتمزقوا وتفرقوا فلما كان بعد دهر مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل فسأل الله أن يحييهم على يديه فأجابه إلى ذلك وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي لحما وعصبا وجلدا. فكان ذلك، وهو يشاهده ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره. فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: سبحانك [اللهم ربنا وبحمدك] (5) لا إله إلا أنت. وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه. وإنما سماه الله تعالى ذكره قرضا؛ لأن معنى القرض: إعطاء الرجل غيره ماله مملكا له ليقضيه مثله إذا اقتضاه. فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة، والفاقة في
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٤/٤٢٨) ↗التحرير والتنوير
11] من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) موقع هذه الجملة موقع التعليل والبيان لجملة وكلا وعد الله الحسنى [الحديد: 10] . وما بينهما اعتراض، والمعنى: أن مثل المنفق في سبيل الله كمثل من يقرض الله ومثل الله تعالى في جزائه كمثل المستسلف مع من أحسن قرضه وأحسن في دفعه إليه. ومن استفهامية كما هو شأنها إذا دخلت على اسم الإشارة والموصول، والذي يقرض خبرها، وذا معترضة لاستحضار حال المقترض بمنزلة الشخص الحاضر القريب. وعن الفراء: (ذا) صلة، أي زائدة لمجرد التأكيد مثل ما قال كثير من النحاة: إن (ذا) في (ماذا) ملغاة، قال الفراء: رأيتها في مصحف عبد الله منذا الذي والنون موصولة بالذال اه. والاستفهام مستعمل في معنى التحريض مجازا لأن شأن المحرض على الفعل أن يبحث عمن يفعله ويتطلب تعيينه لينوطه به أو يجازيه عليه. والقرض الحسن: هو القرض المستكمل محاسن نوعه من كونه عن طيب نفس وبشاشة في وجه المستقرض، وخلو عن كل ما يعرض بالمنة أو بتضييق أجل القضاء. والمشبه هنا بالقرض الحسن هو الإنفاق في سبيل الله المنهي عن تركه في قوله: وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله [الحديد: 10] . وقرأ الجمهور فيضاعفه بألف بعد الضاد. وقرأه ابن كثير وابن عامر ويعقوب فيضاعفه بدون ألف وبتشديد العين. والفاء في جملة فيضاعفه له فاء السببية لأن المضاعفة مسببة على القرض. وقرأ الجمهور فعل يضاعفه مرفوعا على اعتباره معطوفا على يقرض. والمعنى: التحريض على الإقراض وتحصيل المضاعفة لأن الإقراض سبب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٧٧) ↗