سورة الحديد · الآية ١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - مبينا لفضل الإيمان واغتباط أهله به يوم القيامة-: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } أي: إذا كان يوم القيامة، وكورت الشمس، وخسف القمر، وصار الناس في الظلمة، ونصب الصراط على متن جهنم، فحينئذ ترى المؤمنين والمؤمنات، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فيمشون بأيمانهم ونورهم في ذلك الموقف الهائل الصعب، كل على قدر إيمانه، ويبشرون عند ذلك بأعظم بشارة، فيقال: { بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } فلله ما أحلى هذه البشارة بقلوبهم، وألذها لنفوسهم، حيث حصل لهم كل مطلوب [محبوب]، ونجوا من كل شر ومرهوب، فإذا رأى المنافقون نور المؤمنين يمشون به، وهم قد طفئ نورهم وبقوا في الظلمات حائرين، قالوا للمؤمنين: { انظرونا نقتبس من نوركم } أي: أمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به، لننجو من العذاب، ف { قيل } لهم: { ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا } أي: إن كان ذلك ممكنا، والحال أن ذلك غير ممكن، بل هو من المحالات، { فضرب } بين المؤمنين والمنافقين { بسور } أي: حائط منيع، وحصن حصين، { له باب باطنه فيه الرحمة } وهو الذي يلي المؤمنين، { وظاهره من قبله العذاب } وهو الذي يلي المنافقين، فينادي المنافقون المؤمنين، فيقولون لهم تضرعا وترحما: { ألم نكن معكم } في الدنيا نقول: " لا إله إلا الله " ، ونصلي ونصوم ونجاهد، ونعمل مثل عملكم؟ { قالوا بلى } كنتم معنا في الدنيا، وعملتم [في الظاهر] مثل عملنا، ولكن أعمالكم أعمال المنافقين، من غير إيمان ولا نية [صادقة] صالحة، بل { فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم } أي: شككتم في خبر الله الذي لا يقبل شكا، { وغرتكم الأماني } الباطلة، حيث تمنيتم أن تنالوا منال المؤمنين، وأنتم غير موقنين، { حتى جآء أمر الله } أي: حتى جاءكم الموت وأنتم بتلك الحال الذميمة. { وغركم بالله الغرور } وهو الشيطان، الذي زين لكم الكفر والريب، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقد قال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي (1) عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد (2) بن مسعود: أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يحدث: أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذر يخبران عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، فأعرف أمتي من بين الأمم". فقال له رجل: يا نبي الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم، ما بين نوح إلى أمتك؟ قال: "أعرفهم، محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم وذريتهم (3) (4) وقوله {وبأيمانهم} قال الضحاك: أي وبأيمانهم كتبهم، كما قال: {فمن أوتي كتابه بيمينه} [الإسراء: 71] . وقوله: {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: يقال لهم: بشراكم اليوم جنات، أي: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار، {خالدين فيها} أي: ماكثين فيها أبدا {ذلك هو الفوز العظيم} . وقوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة (5) وإنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله، وعمل بما أمر الله، به وترك ما عنه زجر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو هذا-يشير إلى القبر-بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، تنتقلون منه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الحديد: 12] فقال بعضهم: معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم وبأيمانهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٩٧) ↗التحرير والتنوير
وهو ما فسره قول النبيء صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفئ الخطايا كما يطفىء الماء النار» ، أي زيادة على مضاعفتها مثل الحسنات كلها. [12] يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) لما كان معلوما أن مضاعفة الثواب وإعطاء الأجر يكون في يوم الجزاء، ترجح أن يكون قوله: يوم ترى المؤمنين منصوبا بفعل محذوف تقديره: اذكر تنويها بما يحصل في ذلك اليوم من ثواب للمؤمنين والمؤمنات ومن حرمان للمنافقين والمنافقات، ولذلك كرر يوم ليختص كل فريق بذكر ما هو من شؤونه في ذلك اليوم. وعلى هذا فالجملة متصلة بالتي قبلها بسبب هذا التعلق، على أنه في نظم الكلام يصح جعله ظرفا متعلقا ب فيضاعفه له وله أجر كريم [الحديد: 11] على طريقة التخلص لذكر ما يجري في ذلك اليوم من الخيرات لأهلها ومن الشر لأهله. وعلى الوجه الأول فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لمناسبة ذكر أجر المنفقين فعقب ببيان بعض مزايا المؤمنين، وعلى الوجه الثاني فهي متصلة بالتي قبلها بسبب التعلق. والخطاب في ترى لغير معين ليكون على منوال المخاطبات التي قبله، أي يوم يرى الرائي، والرؤية بصرية، ويوم مبني على الفتح لأنه أضيف إلى جملة فعلية، ويجوز كونها فتحة إعراب المضاف إلى المضارع يجوز فيه الوجهان. ووجه عطف المؤمنات على المؤمنين هنا، وفي نظائره من القرآن المدني التنبيه على أن حظوظ النساء في هذا الدين مساوية حظوظ الرجال إلا فيما خصصن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٧٩) ↗