البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحديد · الآية ١٠

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يأمر تعالى عباده بالإيمان به وبرسوله وبما جاء به، وبالنفقة في سبيله، من الأموال التي جعلها الله في أيديهم واستخلفهم عليها، لينظر كيف يعملون، ثم لما أمرهم بذلك، رغبهم وحثهم عليه بذكر ما رتب عليه من الثواب، فقال: { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا } أي: جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله، والنفقة في سبيله، لهم أجر كبير، أعظمه [وأجله] رضا ربهم، والفوز بدار كرامته، وما فيها من النعيم المقيم، الذي أعده الله للمؤمنين والمجاهدين، ثم ذكر [السبب] الداعي لهم إلى الإيمان، وعدم المانع منه، فقال: { وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين } أي: وما الذي يمنعكم من الإيمان، والحال أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل وأكرم داع دعا إلى الله يدعوكم، فهذا مما يوجب المبادرة إلى إجابة دعوته، والتلبية والإجابة للحق الذي جاء به، وقد أخذ عليكم العهد والميثاق بالإيمان إن كنتم مؤمنين، ومع ذلك، من لطفه وعنايته بكم، أنه لم يكتف بمجرد دعوة الرسول الذي هو أشرف العالم، بل أيده بالمعجزات، ودلكم على صدق ما جاء به بالآيات البينات، فلهذا قال: { هو الذي ينزل على عبده آيات بينات } أي: ظاهرات تدل أهل العقول على صدق كل ما جاء به، وأنه حق اليقين، { ليخرجكم } بإرسال الرسول إليكم، وما أنزله الله على يده من الكتاب والحكمة، { من الظلمات إلى النور } أي: من ظلمات الجهل والكفر، إلى نور العلم والإيمان، وهذا من رحمته بكم ورأفته، حيث كان أرحم بعباده من الوالدة بولدها { وإن الله بكم لرءوف رحيم }. { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموت والأرض } أي: وما الذي يمنعكم من النفقة في سبيل الله، وهي طرق الخير كلها، ويوجب لكم أن تبخلوا، { و } الحال أنه ليس لكم شيء، بل { لله ميراث السموت والأرض } فجميع الأموال ستنتقل من أيديكم أو تنقلون عنها، ثم يعود الملك إلى مالكه تبارك وتعالى، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

أمر تعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحث على الإنفاق مما جعلكم مستخلفين فيه أي مما هو معكم على سبيل العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد تعالى إلى استعمال ما استخلفهم فيه من المال في طاعته، فإن (1) يفعلوا وإلا حاسبهم عليه وعاقبهم لتركهم الواجبات فيه. وقوله: {مما جعلكم مستخلفين فيه} فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفا عنك، فلعل وارثك أن يطيع الله فيه، فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله فيه فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث، عن مطرف-يعني بن عبد الله بن الشخير-عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " {ألهاكم التكاثر} [التكاثر:1] ، يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ ". ورواه مسلم من حديث شعبة، به (2) وزاد: "وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس" وقوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة، ثم قال: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم} ؟ أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم، يدعوكم إلى ذلك ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به؟ وقد روينا في الحديث من طرق في أوائل شرح "كتاب الإيمان" من صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: "أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا: الملائكة. قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ " قالوا: فالأنبياء. قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ ". قالوا: فنحن؟ قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيؤون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها" (3) وقد ذكرنا طرفا من هذا في أول سورة "البقرة" عند قوله: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

لا تنفقوا مما رزقكم الله في سبيل الله PageEndV22P392 وإلى الله صائر أموالكم إن لم تنفقوها في حياتكم في سبيل الله، لأن له ميراث السماوات والأرض، وإنما حثهم جل ثناؤه بذلك على حظهم، فقال لهم: أنفقوا أموالكم في سبيل الله، ليكون ذلكم لكم ذخرا عند الله من قبل أن تموتوا، فلا تقدروا على ذلك، وتصير الأموال ميراثا لمن له السماوات والأرض

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٩١) ↗

التحرير والتنوير

ويرجح هذا المعنى أن ظاهر الأمر في قوله: آمنوا بالله ورسوله [الحديد: 7] أنه لطلب إيجاد الإيمان كما تقدم في تفسيرها وأن الآية مكية. وقرأ الجمهور أخذ بالبناء للفاعل ونصب ميثاقكم على أن الضمير عائد إلى اسم الجلالة، وقرأه أبو عمرو أخذ بالبناء للنائب ورفع ميثاقكم. [9] 9] هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤف رحيم (9) استئناف ثالث انتقل به الخطاب إلى المؤمنين، فهذه الآية يظهر أنها مبدأ الآيات المدنية في هذه السورة ويزيد ذلك وضوحا عطف قوله: وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله [الحديد: 10] الآيات كما سيأتي قريبا. والخطاب هنا وإن كان صالحا لتقرير ما أفادته جملة وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم [الحديد: 8] ولكن أسلوب النظم وما عطف على هذه الجملة يقتضيان أن تكون استئنافا انتقاليا هو من حسن التخلص إلى خطاب المسلمين، ولا تفوته الدلالة على تقرير ما قبله لأن التقرير يحصل من انتساب المعنيين: معنى الجملة السابقة، ومعنى هذه الجملة الموالية. فهذه الجملة بموقعها ومعناها وعلتها وما عطف عليها أفادت بيانا وتأكيدا وتعليلا وتذييلا وتخلصا لغرض جديد، وهي أغراض جمعتها جمعا بلغ حد الإعجاز في الإيجاز، مع أن كل جملة منها مستقلة بمعنى عظيم من الاستدلال والتذكير والإرشاد والامتنان. والرؤوف: من أمثلة المبالغة في الاتصاف بالرأفة وهي كراهية إصابة الغير بضر. والرحيم: من الرحمة وهي محبة إيصال الخير إلى الغير. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم لرؤف بواو بعد الهمزة

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣٧١) ↗